السيدة المحترمة


د. نبراس المعموري
يحمل لقب السيدة دلالات متعددة تختلف باختلاف السياق والمكانة الاجتماعية والثقافية والدينية. ففي الثقافة الدينية اقترن هذا اللقب بنساء جليلات تركن أثراً خالداً في التاريخ، مثل السيدة مريم العذراء والسيدة فاطمة الزهراء وغيرهن، كما يستخدم إجتماعياً بوصفه لقباً احتراماً للمرأة المتزوجة.
غير أن التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي شهدتها مجتمعاتنا جعلتنا نتوقف كثيراً أمام قيمة هذا اللقب ومعناه الحقيقي، بالأفعال والمواقف التي تعكس جوهر الإنسان، ونتساءل عمن تستحق فعلاً أن تنادى بـ«السيدة المحترمة»؟ .
فمع تداخل المفاهيم واختلال المعايير، باتت بعض الألقاب تمنح أحياناً بعيداً عن مضمونها الأخلاقي والإنساني، حتى فقدت شيئاً من هيبتها ومعناها.
في أحد النقاشات المحتدمة، سمعت أحدهم يصف امرأة بـ«السيدة المحترمة»، رغم أنها عُرفت بكثرة العلاقات، ونقل الكلام، وافتعال المشكلات، وتشويه الحقائق خدمة لأهوائها الشخصية. كنت أستمع إليه وأتساءل في داخلي: كيف يمكن للإنسان أن يمنح لقب الاحترام لمن جعل من الإساءة إلى الآخرين نهجاً ، ومن بث الفرقة عادة، ومن تشويه السمعة وسيلة لإشباع شعور بالنقص أو تحقيق مكاسب آنية؟ وكيف يمكن له هو العارف والمثقف ان يخدع بهذه السهولة؟

حين هدأ النقاش، ابتسمت بمرارة وأنا أفكر في سهولة تزييف الحقائق حين يستبدل الميزان الأخلاقي بالمجاملات أو المصالح او احيانا باقناع الاخر بصواب كلامه بغضاً به . فكم من شخص أُلبس ثوب الفضيلة وهو بعيد عنها، وكم من إنسان نزيه تعرض للظلم والتشويه لأنه رفض مسايرة الزيف أو لأنه نظر إلى الناس بعين قلبه، فوثق بمن لا يستحق الثقة، وعاش أعمى عن خفايا النفوس .
كثيراً ما نتغاضى عن الحقائق المؤلمة بدافع العاطفة أو الوفاء لأشخاص ظننا يوماً أنهم الملاذ والسند. نمنحهم ثقتنا، ونتجاهل الإشارات الواضحة إلى حقيقتهم، فنقنع أنفسنا بأنهم أهل للمحبة والدعم، بينما نكتشف متأخرين أننا كنا نخدع أنفسنا قبل أن يخدعنا الآخرون.

لذلك، احذروا الألقاب؛ فليست كل الألقاب مرآة لأصحابها، وليست كل كلمات الثناء دليلاً على الاستحقاق. واحذروا أن تكونوا أداةً، عن قصد أو دون قصد، في تلميع شخصيات تتخذ من الآخرين سلماً لتحقيق مصالحها أو إخفاء عيوبها. فالحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تغيب، والله العادل كفيل بأن يكشف زيف الألقاب، ويظهر حقيقة النفوس والأفعال مهما توارت خلف عبارات الاحترام والمجاملة. فليس كل من وصفت بأنها «سيدة محترمة» تستحق اللقب، كما أن الاحترام الحقيقي لا يُمنح بالكلمات، بل تصنعه الأخلاق حين تنطق بها الأفعال قبل الأقوال.

شاهد أيضاً

تحصينات إيرانية متسارعة: استعداد دفاعي أم رسائل ردع في زمن التوتر؟

في الآونة الأخيرة، تناولت وسائل إعلام وتقارير إخبارية صوراً حديثة للأقمار الصناعية تظهر نشاطاً واضحاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!