القانون غير المكتوب

د. نبراس المعموري

كثيراً ما نقرأ في مواقع التواصل الاجتماعي، وحتى في الكتب، عن حوادث وقصص قد تثير فينا الدهشة والفضول، وتدفعنا إلى طرح أسئلة عديدة بحثاً عن المزيد من التفاصيل، أو رغبةً في إشباع شيءٍ ما في داخلنا، ولا سيما عندما تكون تلك الحوادث جزءًا من دائرة اهتماماتنا الحياتية أو الفكرية.

وخلال تنقلي بين صفحات القراءة، استوقفتني عبارة “القانون غير المكتوب” ولا سيما أنها وردت في سياق سرد قصة قضية لفتاة شابة تُدعى “لاستينيا أبارتا” التي عدت في بعض الروايات التاريخية القانونية الأمريكية نموذجاً مبكراً لفكرة كانت متداولة آنذاك حول ما يسمى “القانون غير المكتوب” في ظل مجتمع ومحاكم كانا يميلان، في بعض القضايا، إلى النظر بعين مختلفة إلى النساء اللواتي يدافعن عن “شرفهن” في مواجهة الاستغلال أو الوعود الكاذبة .

ومن هنا بدأت أتساءل: ما هو القانون غير المكتوب؟ وهل يمكن أن يكون له تأثير يوازي تأثير القانون الذي تصوغه وتقره المؤسسات التشريعية ؟

فالقانون غير المكتوب يمكن أن يشير إلى مجموعة من القواعد والمبادئ والأعراف الاجتماعية أو القضائية التي يتعامل معها الناس بوصفها ملزمة أو جديرة بالاحترام، نتيجة لتراكم اجتماعي وثقافي طويل، أو لتقاليد وأعراف رسخت حضورها في سلوك الأفراد والجماعات بالرغم من أنها لم تدون بالضرورة في نص تشريعي رسمي..

لكن في ظل التطورات المتسارعة والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يشهدها العالم، هل ما زال بالإمكان الاعتماد على أبجديات “القانون غير المكتوب”؟ وهل يمكن أن يكون مكملاً للقانون المكتوب، أم أنه قد يتحول في بعض الحالات إلى بديل عنه؟

إن السؤال لا يتعلق بأهمية الأعراف الاجتماعية في تنظيم حياة المجتمعات، بل بحدود سلطتها عندما تتعارض مع جوهر العدالة وحقوق الإنسان. فالقانون، في جوهره، وجد لحماية الإنسان، وصون الحقوق، وتحقيق العدالة، وليس لإخضاع الضحية لأحكام المجتمع وتصوراته المسبقة.

وفي مشاهد كثيرة أرشفتها السينما والدراما، كان المتهم، واحياناً الضحية، بأمس الحاجة إلى مساحة من الإنصاف تتجاوز النص الجامد، وتمنحه فرصة لإعادة النظر في الفعل والظروف والدوافع. وفي المقابل، رأينا كيف يمكن للأعراف نفسها أن تتحول إلى محكمة موازية، لا تحتاج إلى قاضٍ أو قاعة محكمة، يكفيها أن تتناقل الألسن رواية أو أن تحرف حقيقة، أو أن تبنى قناعة على إشاعة.

وبغض النظر عن أهمية القواعد القانونية المكتوبة وغير المكتوبة في حفظ الحقوق والممتلكات وتنظيم العلاقات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كم من قواعد “القانون غير المكتوب” كانت عوناً في فتح منفذ جديد للنجاة، لكنها تحولت في الوقت نفسه إلى سيفٍ يذبح الضحية تحت مسميات المبادئ والشرف والأعراف؟

إن خطورة هذا النوع من القوانين لا تكمن في وجود الأعراف بحد ذاتها، بل في استخدامها لإصدار الأحكام على الآخرين، بعيداً عن الدليل والقانون والعدالة. ولعل النساء هن الأكثر تعرضاً لهذا النوع من الأحكام، حين يتحول المجتمع إلى محكمة مفتوحة، وقضاتها ألسنة الناس، وأداتها التقولات، وملفاتها الشائعات، وأحكامها لا تقبل الاستئناف.

كم من امرأة وجدت نفسها مطالبة بإثبات براءتها من تهمة لم تُثبت أصلاً ؟ وكم من ضحية تحولت، بفعل الأعراف والتصورات المسبقة، إلى متهمة؟ وكم من حقيقة ضاعت لأن المجتمع كان أسرع في إصدار الحكم من القانون؟

العدالة هي مفتاح النجاة والعيش بسلام، لكنها، للأسف، قد تقع أحياناً أسيرة أعراف صنعها البشر، بعضها نشأ من حاجات مشروعة، وبعضها الآخر أعيد إنتاجه عبر الزمن حتى أصبح سلطةً أقوى من الحقيقة نفسها.

لذلك، فإن التوازن بين القانون المكتوب والمنظومة القيمية للمجتمع لا ينبغي أن يعني السماح للأعراف بأن تحل محل القانون، بل أن تكون القيم والأعراف في خدمة الإنسان والعدالة، لا وسيلةً لإدانته أو إقصائه.

ويبقى السؤال الذي لا أجد له إجابة سهلة:

كم ضحية تألمت، وعاشت، وربما ماتت، وهي مرهونة تحت يافطة “القانون غير المكتوب”؟

وكم من حكم صدر بحق إنسان، لم يكن له قاضٍ سوى المجتمع، ولا دليل سوى الكلام، ولا عقوبة سوى حياةٍ كاملة من الألم؟

شاهد أيضاً

زواج الفصلية يغزو “ليل البنفسج”

د. نبراس المعموري لطالما ارتبط عنوان ليل البنفسج في الذاكرة العراقية بصوت الفنان الراحل ياس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!