مقال كتبته منية كواش
تواصل الجامعة التونسية لنوادي السينما تنقلها إلى المناطق الداخلية لتنفيذ مشروعها الجديد “الكاميرا والرفاق”، وستزور خلال الفترة القادمة وإلى نهاية شهر سبتمبر 2026 المحرس من ولاية صفاقس، وعين دراهم من ولاية جندوبة، وبئر الحفي من ولاية سيدي بوزيد، لتلتقي بالشباب هناك، وتمكنهم من الفعل الثقافي، وتشرف على تعليمهم وتكوينهم، وتتيح لهم خوض تجربة صناعة فيلم وثائقي وفق خصوصيات وظروف مناطقهم. وقد انطلقت الجامعة في تنفيذ هذا المشروع الجديد منذ شهر مارس المنقضي، وعرضته على شباب الناظور من ولاية زغوان، والقطار من ولاية قفصة، وشنني من ولاية قابس، وبوعرادة من ولاية سليانة، وسبيبة من ولاية القصرين، ومنزل عبد الرحمن من ولاية بنزرت، وقدمت لهم خدماتها الثقافية والمجتمعية وفق خيارها العملي، وتطبيقًا لبرنامجها المخصص لشباب المناطق الداخلية في عشر ولايات تونسية.

ممارسة الفعل الثقافي بالتعلم والتدريب
وعن الغاية من مشروع “الكاميرا والرفاق”، بيّن رئيس الجامعة التونسية لنوادي السينما، صابر بن رحومة، أنه أتاح لشباب المناطق الداخلية النفاذ إلى الثقافة، ومكنهم من ممارسة الفعل الثقافي بالتعلم، فدربهم على صناعة الفيلم الوثائقي بمراحله النظرية والتطبيقية، وما يتطلبه من تقنيات وسرد وتصوير، فساهم بفعالياته وبرامجه في إخراج الشباب المشارك من دائرة التلقي السلبي ومن الركود الثقافي والمجتمعي، وأطرهم ليكونوا فاعلين ومنتجين.

كما أبرز بن رحومة أن هذا المشروع “تجاوز، بالرغم من قصر مدته التي لم تزد على ثلاثة أيام، البعد الثقافي، وأفاد شباب المناطق معرفيًا وتكوينيًا ونفسيًا، ومكنهم من ممارسة هواياتهم واكتشاف مواهبهم وطاقاتهم الإبداعية، فحفزهم على تطوير ذواتهم، وساهم في عودة الثقة إلى أنفسهم وفي محيطهم، وكان أيضًا فرصة لتلاقيهم وتحاورهم، وللتعبير عن ذواتهم وعن آرائهم فيما يرونه صالحًا لمناطقهم. وأشركهم في الحياة العامة، فأهلهم ليصنعوا بأنفسهم حركية ثقافية في مناطقهم، تنبع منهم وتمثلهم وتعبر عن مشاغلهم، وتجسد خصوصيات جهاتهم، وتعزز شعورهم بالانتماء إلى مناطقهم. وشجعهم على بلوغ عمقهم الفردي والمحلي والوطني، كما أدخل حيوية على نمط عيشهم، وأضفى حركية جديدة على مناطقهم الداخلية”.
الذهاب إلى الشباب في مناطقهم الداخلية لتمكينهم من الثقافة هو خيار عملي ضروري
وفيما دفع الجامعة التونسية لنوادي السينما إلى التنقل إلى المناطق الداخلية للإحاطة بالشباب، أكد صابر بن رحومة أن هذه المبادرة تعد خيارًا عمليًا ورؤية بديلة، فرضتها التحديات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، من قلة الإمكانيات، وانعدام الميزانيات، وضعف البنية الثقافية، وما انجر عنها من عدم وجود قاعات سينمائية ونوادٍ تكوينية في هذه المناطق، وما نتج عنها من تهميش وإقصاء وعزلة، وفجوة كبيرة بين شباب المناطق والمؤسسات الثقافية التقليدية، لبعدهم الجغرافي عن العاصمة، مركز الأحداث الثقافية.

إرساء ثقافة محلية وفق خصوصيات وظروف المناطق الداخلية
مستطردًا: “اختارت الجامعة الذهاب إلى الشباب حيث يوجدون، لتقربهم من المشهد الثقافي بتدريبهم وتأطيرهم على الفعل السينمائي بوصفه أداة تعبير وتبادل وتغيير اجتماعي، لتصنع منهم، على المدى القريب والمتوسط، مكونين ومدربين ثقافيين محليين، قادرين على التأقلم مع ظروف بيئتهم وإمكانياتهم، من أجل تحقيق ديناميكية ثقافية محلية مستمرة ومستدامة، وإيمانًا منها بضرورة إرساء عدالة ثقافية”.
الفيلم الوثائقي هو الأقرب إلى ظروف الشباب في المناطق الداخلية
وعن سبب اختيار صنف الفيلم الوثائقي، أوضح بن رحومة “أنه النوع الأقرب إلى واقع الشباب وللإمكانيات المتاحة في المناطق الداخلية، فهو لا يتطلب ميزانية كبيرة ولا تجهيزات معقدة، بل يتطلب من الشباب فقط تسليط الضوء على الظواهر الاجتماعية والطبيعية لمناطقهم وتصويرها، لتحويلها إلى سرد بصري وإلى قصة ممتعة ومقنعة، تجسد قضاياهم ومشاغلهم. ويخدم الفيلم الوثائقي أيضًا مناطقهم، إذ يدفعهم إلى اكتشاف معالم وتراث جهاتهم، ولهذا الغرض وفرت لهم الجامعة جولات استطلاعية داخل مناطقهم وفي شوارعهم التي اعتادوا المرور بها دون أن ينتبهوا إلى خباياها وحقائقها، ليتوقفوا أمامها للتأمل فيها والإنصات إليها، واكتشاف معالمها وجمالياتها، وتسجيلها في أفلامهم الوثائقية، فيساهمون بذلك في توثيق ذاكرتهم المحلية وحمايتها من الاندثار”.

الشباب يحذق التصوير وتنقصه مهارات السيناريو
وفيما يتعلق بسبب تركيز الجامعة على تعليم الشباب مهارات كتابة السيناريو وأدواته المنهجية، أوضحت منال السويسي، عضوة الجامعة التونسية لنوادي السينما، أن تعامل الجامعة المتواصل مع الشباب جعلها تكتشف عدم قدرتهم على صياغة حبكة للسيناريو، وضعفهم في هندسة الأحداث والشخصيات، مقابل حذقهم لتقنيات التصوير والمونتاج.
إقبال فاق المتوقع
وأفادت منال السويسي أن نسبة إقبال الشباب على الانضمام إلى هذا المشروع “تعد نسبة مهمة، إذ تجاوز عدد الحاضرين العدد المطلوب بثلاث مرات، مما اضطر الجامعة إلى برمجة ورشات تكوينية موازية لتأهيل الشباب غير المبرمجين في المشروع”. مبرزة أن الشباب رحبوا بفكرة المشروع وتفاعلوا معه، فتصرّفوا خلاله بأريحية، وأطلقوا العنان لخيالهم، وسردوا قصصهم ورؤاهم، إذ وجدوا فيه فضاءً ثقافيًا حرًا وآمنًا.
كما أشارت إلى نسبة مشاركة الإناث، موضحة أن الشابات تواجدن أيضًا بكثرة، بعد أن سهلت الجامعة ولوجهن إلى هذا المشروع باعتمادها على فريق عمل يتكون في معظمه من النساء، مما ساهم في بناء مناخ من الثقة، شجع أولياء أمورهن على السماح لهن بالتنقل رفقة فريق العمل للتصوير خارج دور الثقافة.
إشراك الشباب في السياسات للحد من التفاوت الثقافي
يتضح مما سبق أن إقحام فئة الشباب في الحركة الثقافية، وإدماجهم في الدورة الثقافية إدماجًا فعليًا لا شكليًا، والاستثمار في طاقاتهم، والاعتراف بقدراتهم على إعادة تشكيل المشهد الثقافي بما ينسجم مع تحولات العصر الرقمي، أصبح أولوية وضرورة عاجلة لتخليص السياسات الثقافية من الجمود، ومن النماذج النمطية، ومن عدم القدرة على القضاء على التفاوت الثقافي بين المركز والمناطق الداخلية. فالشباب هم الفئة القادرة على التغيير، وعلى تحويل الثقافة إلى قطاع منتج، وإلى خلق تنمية مستدامة، لحذقهم للرقمنة واستخدامهم للذكاء الاصطناعي.
ويُذكر أن الجامعة التونسية لنوادي السينما هي جمعية مستقلة غير ربحية، تأسست سنة 1949، وتضم شبكة من 16 ناديًا سينمائيًا موزعة على مختلف الولايات التونسية.
مجلة صوتها تصدر عن منتدى الاعلاميات العراقيات