سوسن الجزرواي
بين مواجهة التحديات الأخلاقية والمهنية المركّبة ، يلعب الاعلام وجنوده المدججين بالكلمة ، دوراً كبيراً ومحورياً ، في نقل مايحدث على ارض الواقع في اختبار حساس ودقيق لشجاعتهم واحترامهم لاخلاقيات مهنتهم .
فبين السبق الصحافي وضغط الوقت من جهة ، والالتزام بالحقيقة والمسؤولية الإنسانية من جهة اخرى ، يجد اصحاب هذه المهنة الكبيرة ، أنفسهم أمام اختبار حقيقي وامتحان صعب لمصداقيتهم وانتماءاتهم .
إذ قد يؤدي التسرع في نشر المعلومات غير المؤكدة ، الى ارباك المشهد العام وترويع المتلقين من ناخية اخرى ، فبطبيعة الحال فان مهمة الاعلامي ، توثيق الانتهاكات الإنسانية وإيصال صوت المدنيين المتضررين إلى العالم ، ولربما شخصت هذه المهمة ، بانها من اهم وابرز ادوار الاعلام ، فالصور والتقارير الميدانية قادرة على تحريك الرأي العام الدولي ، وتأجيج المواقف ودفع المنظمات الإنسانية والحكومات إلى اتخاذ مواقف أو إجراءاتغير أن هذا الدور الإنساني قد يُفرغ من مضمونه حين يُستغل الإعلام كأداة دعائية ، أو حين تُنتقى الأحداث بشكل انتقائي يخدم أجندات سياسية معينة .
في هذا السياق تحديدا ، تبرز أهمية الإعلام المسؤول الواعي ، الذي يوازن بين نقل الحدث وتحليله ، دون السقوط في فخ التحريض أو التهويل .
فالإعلام التحليلي الرصين لا يكتفي بعرض المشاهد الصادمة ، بل يسعى إلى تفسير السياق ، وشرح الخلفيات التاريخية والسياسية ، وإبراز تعقيدات الصراع ، بما يساعد المتلقي على فهم أعمق بعيداً عن الانفعال الآني .
وهكذا ومقابل ما ذكر ، فاننا لا يمكن ان تجاهل التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في زمن الحروب ، حيث أصبح كل فرد مراسلاً محتملاً .
ورغم ما توفره هذه المنصات من سرعة وانتشار ، فإنها تفتح الباب أمام الشائعات السيئة ، والمعلومات المضللة ، والمقاطع المفبركة ، ما يفرض على الإعلام المهني مسؤولية مضاعفة في التحقق والتدقيق قبل النشر ، وتصحيح المعلومات الخاطئة .
إن مستقبل الإعلام في زمن الحروب مرهون بقدرته على استعادة ثقة الجمهور ، من خلال الالتزام بالمهنية ، واحترام عقل المتلقي ، والابتعاد عن الإثارة الرخيصة .فالإعلام القوي ليس ذاك الذي يصرخ أعلى ، بل الذي يشرح أعمق ، ويطرح الأسئلة الصعبة، ويدافع عن الحق في المعرفة دون أن يتحول إلى أداة للصراع .
وفي الختام، يبقى الإعلام في زمن الحروب سلاحاً ذا حدين : إما أن يكون جسراً للحقيقة والسلام ، أو وقوداً للنزاعات والانقسامات ، والاختيار بين هذين المسارين لا تحدده التكنولوجيا ، بل تحدده القيم المهنية والأخلاقية التي يؤمن بها القائمون على الرسالة الإعلامية
مجلة صوتها تصدر عن منتدى الاعلاميات العراقيات