(المجتمعات في ظل فوضى التكنولوجيا)

نورا النعيمي

تجاوزت التكنولوجيا حدود كونها أداة مساعدة، وأصبحت تؤثر بشكل عميق في وعي الإنسان وسلوكه. لقد شهدنا كيف أعادت التكنولوجيا تعريف مفاهيم أساسية مثل العلاقات الشخصية، والقيم الإنسانية، وأشكال العمل المختلفة.
وفي خضم هذا التغير السريع، يعيش المجتمع العراقي والعربي حالة يمكن تسميتها “الفوضى الرقمية”، حيث تتداخل الفوائد الكبيرة التي تقدمها التكنولوجيا مع المخاطر الجسيمة التي قد تنجم عنها.
ويطرح هذا الوضع تساؤلاً مهماً: هل نحن من نوجه التكنولوجيا لخدمة احتياجاتنا، أم أنها أصبحت هي التي توجهنا وتتحكم بمسارات حياتنا؟

أصبح “التمرير” ومشاهدة المحتوى جزءاً أساسياً من حياتنا اليومية، حتى حلّ محل المحادثات والحوارات الأسرية التقليدية. وفي الوقت الراهن، باتت “الإعجابات” على وسائل التواصل الاجتماعي بديلاً عن السؤال البسيط: “كيف حالك؟”، مما يعكس تحولاً جذرياً في طريقة تواصل الأفراد.

وتشير الدراسات السلوكية إلى ظهور ظاهرة “العزلة الجماعية”، وتعني أن الأشخاص قد يجتمعون جسدياً في مكان واحد، لكن كلاً منهم يعيش في عالمه الرقمي الخاص، مما يؤدي إلى انعدام التفاعل الحقي والتواصل الفعّال.

أدى الاعتماد المفرط على المحتوى القصير إلى انخفاض ملحوظ في القدرة على التركيز العميق. يواجه الجيل الجديد صعوبة في متابعة أي محتوى تتجاوز مدته دقيقة واحدة.
وينعكس ذلك سلباً على القدرات النقدية والتحليلية، ويعز ثقافة الاستهلاك السريع للمعلومات، مما يجعل الأفراد أقل قدرة على التفكير العميق والتفاعل مع الأفكار المعقدة.
ساهمت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في خلق “واقع بديل” مثالي ومصفّى. وقد أدى ذلك إلى اتساع فجوة المقارنات الاجتماعية، وزيادة معدلات القلق وعدم الرضا عن الذات، خصوصاً لدى الشباب والمراهقين.

كما أصبحت المنصات الرقمية أداة بيد من لا يملكون التخصص، فـ “كل من هبّ ودبّ” صار أستاذاً وعالماً وسياسياً ومحللاً.

يقول عدنان الدوسري- كاتب وروائي ورائد في التحول الرقمي، ومستشار اقتصادي وتسويقي -:
“في العراق، لم تعد السياسة حكراً على السياسيين، ولا الرياضة على الرياضيين، ولا الفلك على العلماء، ولا الفقه على أهله. يكفي أن يتصفح المرء منصة تواصل اجتماعي أو ينضم إلى مجموعة واتساب، حتى يجد نفسه أمام فضاء مفتوح يضم محللين استراتيجيين وخبراء اقتصاد ومدربين رياضيين ومفسري أحداث دولية، يتحدث كل منهم بثقة توحي بخبرة طويلة”.

ولا نقصد بذلك الاعتراض على إبداء الرأي، فهو حق مشروع. لكن الإشكالية تظهر عندما يختلط الرأي بالاختصاص، وتتحول وجهات النظر الشخصية إلى أحكام قطعية، وكأن سنوات الدراسة والخبرة لم تعد ذات قيمة.

فهناك فرق بين أن يقول الفرد: “أعتقد أن هذا القرار غير صائب”، وبين أن يقدم نفسه محللاً استراتيجياً. وبين مشجع يتابع مباراة، وخبير يفهم التكتيك والإدارة. وبين من يقرأ خبراً عن الكواكب، وبين عالم فلك.

لقد رسخت وسائل التواصل تصوراً مضللاً مفاده أن امتلاك هاتف ذكي وحساب كافٍ لاكتساب الخبرة. فأصبح الصوت الأعلى يتفوق أحياناً على الرأي الأعمق، وعدد المتابعين بديلاً عن المؤهل العلمي.

إن تقدم المجتمعات مرهون باحترام التخصص لا بإلغائه. فحرية التعبير مكفولة، أما التحليل العلمي الرصين فهو مسؤولية أهل المعرفة. وبينهما مساحة يجب الحفاظ عليها، لأن تلاشيها لا ينتج معرفة، بل ينتج ضجيجاً يغيب فيه صوت العلماء.
تشبه الفوضى التكنولوجية صالة رياضية مليئة بالأجهزة. هناك أدوات تعز الصحة البدنية والذهنية، وهناك أدوات قد تسبب إصابات خطيرة. والخطر لا يكمن في الأجهزة، بل في استخدامها دون مدرب مختص أو خطة واضحة.

الخاتمة
يحتاج المجتمع اليوم إلى “قادة رأي رقميين” مسؤولين وواعين، قادرين على إنتاج محتوى يبني الوعي بدلاً من إثارة الفوضى.
ويبقى السؤال لكل فرد ولكل مؤسسة إعلامية: هل نحن من نستخدم التكنولوجيا للنمو والتطور، أم أن التكنولوجيا هي التي تستخدمُنا لاستمرار هذه الفوضى؟

الخلاصة
الهاتف المحمول سلاح ذو حدين. هو أداة متعددة الاستخدامات: يمكن أن يكون وسيلة تواصل وبناء، ويمكن أن يكون مصدر إدمان وتدمير.
المشكلة ليست في الهاتف نفسه، بل في طريقة استخدامه والمستخدم الذي يتحكم به. فكلما استسلمنا للتوتر والغيرة والمقارنات، زاد تأثيره السلبي. أما إذا اخترنا الهدوء والتركيز على ما هو مهم، فسنتمكن من تسخيره لصالحنا.

شاهد أيضاً

“لا أريد سوى ضابط”.. كيف تصنع العائلة ومواقع التواصل معايير الزواج لدى الفتيات؟

اصيل نصير “أريده ضابطاً أو طبيباً فقط”.. عبارة تتكرر كثيراً في جلسات التعارف العائلي وأحاديث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!