عيد الغدير.. ملايين الزائرين لمناسبة عكست حجم التماسك الاجتماعي

صوتها – بغداد

عيد الغدير في العراق.. ملايين الزائرين ومناسبة تجمع البعد الديني والاجتماعي

تحقيق صحفي

مع اقتراب الثامن عشر من ذي الحجة من كل عام، تتجه الأنظار نحو المدن العراقية التي تستعد لإحياء عيد الغدير، إحدى أبرز المناسبات الدينية لدى المسلمين الشيعة. وبينما يرتبط العيد بواقعة غدير خم التي يعتقد الشيعة أنها شهدت إعلان ولاية الإمام علي بن أبي طالب، تحولت المناسبة عبر السنوات إلى حدث اجتماعي وثقافي واسع يستقطب ملايين المشاركين داخل العراق وخارجه.

ملايين الزائرين إلى النجف

تشير بيانات العتبة العلوية المقدسة إلى أن أعداد الزائرين خلال عيد الغدير شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، إذ استقبلت مدينة النجف نحو أربعة ملايين زائر خلال احتفالات عام 2024، فيما تجاوز العدد ثلاثة ملايين زائر في العام الذي سبقه.

ويقول المتحدث باسم العتبة العلوية حيدر رحيم إن الاستعدادات الخاصة بالمناسبة تبدأ قبل أسابيع، وتشمل خططاً خدمية وأمنية وتنظيمية لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الزائرين، مؤكداً أن آلاف العاملين والمتطوعين يشاركون في تقديم الخدمات على مدار الساعة.

خدمات تطوعية ومشاركة مجتمعية

ولا تقتصر فعاليات العيد على الجوانب الدينية، بل تمتد إلى المبادرات الخدمية والإنسانية. ووفق إحصائيات رسمية، جرى توزيع أكثر من مليون وجبة طعام خلال احتفالات الغدير الأخيرة، بمشاركة نحو 2500 متطوع في مختلف مفاصل الخدمة.

ويؤكد مختصون في العمل التطوعي أن هذه المبادرات تعكس روح التكافل الاجتماعي التي تميز المجتمع العراقي، حيث تتحول المناسبة إلى مساحة للتعاون بين مختلف الفئات العمرية والاجتماعية.

أبعاد تاريخية وفكرية

ويرى الباحث والمؤرخ رشيد الخيون أن عيد الغدير يمثل مناسبة ذات امتدادات تاريخية وثقافية مهمة في الوعي الإسلامي، مشيراً إلى أن فهم الحدث يتطلب قراءة تاريخية تتناول أبعاده المختلفة بعيداً عن الجدل المذهبي.

أما الباحث الإسلامي حيدر حب الله فيؤكد أن المناسبة تفتح الباب أمام النقاش حول القيم المرتبطة بسيرة الإمام علي، وفي مقدمتها العدالة والإنصاف وخدمة المجتمع، وهي قيم يمكن أن تشكل أرضية مشتركة بين مختلف مكونات المجتمع.

أثر اقتصادي وإعلامي

اقتصادياً، تنشط الأسواق المحلية خلال أيام الاحتفال، إذ ترتفع مبيعات المواد الغذائية والحلويات واللافتات والزينة، فضلاً عن زيادة الحركة التجارية في قطاعات النقل والإيواء والخدمات.

كما تشهد المناسبة حضوراً إعلامياً واسعاً، إذ شاركت أكثر من 60 مؤسسة إعلامية في تغطية فعاليات عيد الغدير في النجف خلال السنوات الأخيرة. وفي عام 2026 أعلنت العتبة العلوية رفع راية الغدير في 150 موقعاً داخل العراق وخارجه شملت 28 دولة، في مؤشر على اتساع نطاق الاحتفاء بالمناسبة.

مناسبة تعزز التعايش

ولا يقتصر الحديث عن عيد الغدير على الأوساط الشيعية فقط، إذ يرى عدد من الشخصيات الدينية والفكرية من مختلف المكونات العراقية أن المناسبات الدينية الكبرى يمكن أن تسهم في تعزيز ثقافة التعايش والاحترام المتبادل.

وفي هذا السياق، يؤكد الداعية السني أحمد الكبيسي في أحاديثه العامة أهمية احترام المناسبات الدينية لجميع المذاهب الإسلامية، مشدداً على أن التنوع المذهبي يمثل جزءاً من هوية العراق وتاريخه.

كما دعا بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاردينال لويس روفائيل ساكو في مناسبات متعددة إلى ترسيخ قيم المواطنة والتعايش بين العراقيين بمختلف انتماءاتهم الدينية، مؤكداً أن مستقبل البلاد يقوم على الشراكة والاحترام المتبادل.

من جهته، يرى المطران بشار متي وردة أن المناسبات الدينية تمثل فرصة لإبراز القيم الإنسانية المشتركة بين أبناء المجتمع العراقي، ومنها التسامح والتعاون وخدمة الآخرين، وهي قيم تتقاطع مع الرسائل الاجتماعية التي تحملها المناسبات الدينية المختلفة.

عيد يتجاوز الطقوس

ويرى مراقبون أن عيد الغدير بات يمثل واحداً من أكبر التجمعات الدينية والاجتماعية في العراق، حيث تمتزج الشعائر الدينية بالمبادرات التطوعية والأنشطة الثقافية والخدمية، ما يمنحه أبعاداً تتجاوز الإطار الديني التقليدي.

ومع استمرار الاستعدادات لإحياء المناسبة هذا العام، يبقى عيد الغدير حدثاً سنوياً يعكس حضور الموروث الديني في الحياة العامة، ويجسد في الوقت نفسه قدرة المجتمع العراقي على تحويل المناسبات الدينية إلى فضاءات للتكافل والتواصل الاجتماعي وتعزيز قيم التعايش مختلف مكوناته.

شاهد أيضاً

رأس السنة البابلية الآشورية… إرث حضاري يمتد لآلاف السنين

يُعدّ عيد رأس السنة البابلية الآشورية، المعروف باسم أكيتو، واحداً من أقدم الأعياد في تاريخ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!