نجيب الكسراوي.. أربع سنوات في إدارة مهرجان الحمامات وتحويل الذاكرة إلىمشروع للمستقبل

منية كواش 24 أغسطس 2026

تحتاج المهرجانات، بعد أن يسدل الستار على آخر عروضها، إلى لحظة تتجاوزتقييم الأرقام والبرمجة والنجاحات الجماهيرية، للتوقف عند الوجوه التي أثثت هذاالمشهد وتابعت تفاصيله اليومية، في ظروف غالبا ما تكون صعبة وضاغطة. فالمهرجان لا يصنعه الفنّان وحده ، بل يشارك فيه أيضا كلّ من يخطط وينظمويتابع ويواجه ويعمل في الكواليس.

ومن هذا المنطلق، يأتي هذا البروفايل، بالتزامن مع اختتام الدورة الستين لمهرجانالحمامات الدولي يوم 13 أوت 2026، كإعتراف بدور مدير مهرجان الحماماتالدولي   ومن معه من «جنود الخفاء» الذين ساهموا في استمرار هذه التظاهرةالعريقة وفي انجاحها. 

على امتداد أربع دورات، ارتبط اسم نجيب الكسراوي بإدارة مهرجان الحمامات الدولي فسعى الى تقديم تصور مختلف للمهرجان ، تجاوز تنظيم إدارة موسمصيفي بعروض وحفلات ترفيهية متواترة ، من أجل بناء هوية فنية وثقافية متجددةلمؤسسة راكمت ستة عقود من الذاكرة.

من التنشيط الثقافي الجهوي إلى إدارة أعرق المؤسسات بالحمامات

التحق الكسراوي بإدارة مهرجان الحمامات بعد أن كسب خبرة في العمل الثقافيالجهوي. فقد أشرف على إدارة المركّب الثقافي بسليانة ثمّ تولى خطة المندوبالجهوي للشؤون الثقافية بالقيروان فأسس مهرجان”الفسقية”(نسبة الى فسقيةالأغالبة وهي معلم مائي في تاريخ العمارة الإسلامية) فأشرف عليه منذ دورتهالتأسيسية، واضعا ملامحه الأولى فتواصل المهرجان وأصبح  موعدا ثقافيا وفنيا، ينتظم بصفة دورية كل صائفة. 

كما ارتبط اسم نجيب الكسراوي بإعادة إحياء مهرجان المدينة بالقيروان بعدانقطاع طويل، وهو مهرجان يقام خلال شهر رمضان المعظّم وقد بلغ هذه السنةدورته العاشرة. فكانت هذه المهرجانات والتظاهرات الثقافية فرصا عبّر فيهاالكسراوي عن تصوره القائم على تنويع البرمجة والانفتاح على الفضاءات العامةوإعطاء مكانة للعروض المحلية. فكسب من خلالها تجربة وخبرة وأصبحت له رؤيةثقافية واضحة ، ظهرت لاحقا في إدارته لمهرجان الحمامات، لاقتناعه الشديدبضرورة إيلاء أهمية كبيرة للجمهور، تنويع المضامين، تثمين الفنان التونسيوالانفتاح على المحيط.

هذا وقد تمّ تعيين الكسراوي منذ شهر جوان 2023، مديرا عاما للمركز الثقافيالدولي بالحمامات «دار المتوسط للثقافة والفنون»، فإنتقل من إدارة النشاطالثقافي الجهوي إلى واحدة من أبرز المؤسسات الثقافية والفنية في تونس.

مهرجان بهوية ثقافية متنوعة

منذ بدايات تجربته في الحمامات، ركز الكسراوي على خصوصية المهرجانوهويته التاريخية، وأولى مكانة للعروض المسرحية والكوريغرافية إضافة إلىالموسيقى. 

بدأ مهامه خلال الدورة 57 برؤية ثقافية متكاملة فأثث منصة فنية متنوعة ، وأولىإهتماما لفرجة متنوعة ، تستجيب لأذواق مختلفة  فلم يكتف بالعروض الغنائيةوالموسيقية بل أضاف لها عروضا مسرحية وكوريغرافية . 

وفي برمجته لعروض الدورة 58 ، انتصر للمسرح وجعل منه خصوصية منخصوصيات هذا المهرجان العريق منتقيا أفضل العروض من تونس ومن خارجها، مؤمنا أن المهرجانات العريقة يجب أن تنوّع  من عروضها وفعالياتها حتى لاتتوقف على السهرات الغنائية الصيفية.  

وعند إعداده للدورة 59 لسنة 2025 عبر الكسراوي عن تصوّره الجديد بأكثروضوح، فتحدث عن «سردية فنية متكاملة» وعن مهرجان يمثّل «محطة ثقافيةمهمة للفنان التونسي»، مع انفتاح في الوقت نفسه على المحيط المغاربي والعربيوالإفريقي وعلى ثقافات العالم. فجاءت الدورة 59 حاملة معها 36 عرضا في 33 سهرة، من بينها 18 عرضا تونسيا. فبدا وفيا لتصوره، مركزا على معادلة واضحة: الحفاظ على هوية المهرجان، مع التجديد والتنويع في  فئات الجمهور وفي العروض بالإنفتاح على تجارب فنية مختلفة.

الستينية.. من الاحتفال إلى الذاكرة الحية

بلغ هذا التصور ذروته في الدورة الستين، التي حملت شعار «ذاكرة تعيش». فقدقدم الكسراوي المهرجان على أنّه “علامة ثقافية تونسية عربية متوسطية» و«رأسمال ثقافي رمزي وطني»، معتبرا أن ستين سنة من تاريخ المهرجان ليست مجردمناسبة للاحتفال بالماضي، بل فرصة أيضا للتطلّع للمستقبل. 

وضمت الدورة ستين 32 عرضا، من بينها 27 عرضا موسيقيا وأربعة عروضمسرحية وعرضا كوريغرافيا، بمشاركة فنانين من تونس ومن الدول العربيةكالفنان مارسيل خليفة وما يمثله من هوية وذاكرة عربية والفنانة المغربية نجاةعتابو وما تمثله من بعد مغاربي. وعبّر عن جذور تونس الإفريقية بمشاركة الفنانالمالي صاحب الصوت الذهبي”ساليف كايتا” أما البعد المتوسطي فقد تجسّدفي حضور الفنانة البرتغالية “ماريزا” وهي رمز من رموز التراث الموسيقيالايبيري، أما البعد العالمي فقد برز من خلال الروك والبلوز الأمريكي مع العازف” بيغ دادي ويلسون .”

وكان حضور المرأة التونسية من أبرز الاختيارات الرمزية للدورة ستين، فقدافتتحت  الدورة ستين  بمسرحية «الهاربات»  للمخرجة وفاء الطبوبي واختتمتهذه الدورة  بحفل للفنانة التونسية صوفية صادق، إحياء لعيد المرأة التونسية. وذكرى لصدور مجلة الأحوال الشخصية.وقد عبّر الكسراوي على هذا التوجّهقائلا: «المرأة التونسية تفتتح الحكاية وتختتمها».

مهرجان الحمامات قصة لا يكتبها  شخص واحد

من أهم المشاريع التي رافقت الستينية واشتغل عليها نجيب الكسراوي وفريقهمعرضا وثائقيا انطلق في 31 جويلية ، تزامنا مع تاريخ افتتاح مسرح الهواءالطلق سنة 1964.وهو الفضاء المحتضن للمهرجان .

ولم يقتصر المعرض على عرض الصور والوثائق، بل اتجه إلى توظيف الوسائطالرقمية والتفاعلية للتعريف بالفنانين الذين صعدوا على مسرح الحمامات وشاركوافي فعالياته وعروضه منذ  انطلاقه . فساهم  الكسراوي  بتجربته وخبرته فيتحويل الذاكرة من أرشيف للماضي إلى مادة يمكن للأجيال الجديدة اكتشافهاوالتفاعل معها. مؤكّدا أن  تاريخ المهرجان ليس ملكا لمدير أو مؤسسة، وإنما وعلىحدّ قوله «قصة يكتبها الجميع».

مهرجان الحماماتالثقافة في خدمة السياحة والإقتصاد

لم يتوقف خطاب الكسراوي عند الجانب الفني، بل ربط المهرجان أيضا بالمدينةوبالحياة الاقتصادية والسياحية. فقد قدم مهرجان الحمامات باعتباره حدثا ثقافياقادرا على المساهمة في تعزيز مكانة الحمامات كوجهة سياحية وثقافية، معتمداإضافة إلى الموارد الذاتية  على شركاء ممولين .

كما جعل من الجمهور مقياسا من أهم مقاييس نجاح البرمجة، خاصة بتسجيلإقبال قوي على عدد العروض ونفاد تذاكر بعض السهرات قبل موعدها.

ثلاث سنوات.. بسردية واضحة

برهن نجيب الكسراوي خلال سنوات إدارته لمهرجان الحمامات، عن أهمية التجربة في التنشيط الثقافي والعمل الجهوي .فقد كسب خبرة واستفاد من إشتغالهبمؤسسات ثقافية بسليانة والقيروان فانتقل الى الحمامات حاملا معه تصورهللفعاليات وللأحداث الثقافية ، مقتنعا بضرورة التنويع والانفتاح وتثمين أعمالالفنان التونسي ، موليا أهمية كبيرة لذوق الجمهور فأدار مهرجان الحماماتالدولي بروح جديدة وبمسؤولية وأمانة وساهم في استمرارية وديمومة ذاكرته التيبلغت ستة عقود من العطاء والعمل مركّزا  في كل دورة على التجديد والتنويع.

وبانتهاء الدورة الستين، لا يمكن أن نقيّم تجربة الكسراوي بعدد العروض أوالتذاكر النافدة بالرغم من أهميتها في تغطية التكاليف وتحقيق الإكتفاء الذاتي. لكن الأهم أن السنوات الثلاث الأخيرة قدمت للمهرجان سردية واضحة: هويةوعلامة للمهرجان تقوم على المحافظة على الجذور، والإنفتاح على العالم معحضور بارز للفنان التونسي ورهان كبير على الجمهور وعدم التنكر للماضيواعتماده لتغذية المستقبل. 

كما لا يجب أن نقلّل من دور أولئك الذين وجدوا وراء الصورة المكتملة التي تصلإلى الجمهور كل ليلة ، من فرق إدارية وتقنية وفنية وأمنية ولوجستية وإعلامية، تعمل بعيدا عن الأضواء. فالحديث عن دور نجيب الكسراوي في انجاح الدورةالستين هو اعتراف أيضا بجهد فريق كامل ممن تعاونوا معه و حملوا المهرجانعلى أكتافهم، وواصلوا العمل في الكواليس حتى يصل الجمهور إلى مقاعده آمناسليما ليتمتع بعروض انتظرها ورغب فيها، فهم في النهاية من نسميهم جنودالخفاء الذين لا تظهر أسماؤهم كثيرا في واجهة المهرجان، لكن من دونهم لايمكن للستار أن يفتح وأن يسدل .

شاهد أيضاً

(ازمة ولاء)

الكاتبة نورا النعيمي في زمنٍ مضى، كانت الكلمة تُعبر عن صدق نية قائلها، ودلالة الولاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!