بغداد – مجلة صوتها
لم تعد الأسرة العراقية بالحجم الذي عرفته البلاد قبل عقود. فبعد سنوات كان فيها إنجاب ستة أو سبعة أطفال للمرأة أمراً شائعاً، تكشف أحدث البيانات السكانية عن تحول واضح في السلوك الإنجابي، إذ انخفض معدل الخصوبة إلى ما يقارب ثلاثة أطفال لكل امرأة، في تغير ديموغرافي يطرح أسئلة تتجاوز عدد السكان إلى مستقبل سوق العمل والتعليم والصحة والخدمات والسكن.
وتشير البيانات الرسمية المنشورة لنتائج التعداد العام للسكان والمساكن 2024 إلى أن معدل الخصوبة الكلي في العراق بلغ 3.1 طفل لكل امرأة، مع تفاوت ملحوظ بين المحافظات. فقد سجلت ميسان أعلى معدل بنحو 3.8، تلتها نينوى وصلاح الدين بـ3.7 لكل منهما، ثم المثنى 3.6، في حين انخفض المعدل إلى 2.4 في السليمانية، و2.6 في أربيل، و2.7 في كل من دهوك وبغداد.
هذه الأرقام تكشف أن الحديث عن الخصوبة في العراق لا يمكن اختزاله برقم وطني واحد، إذ تختلف أنماط الإنجاب بصورة واضحة بين المحافظات، وهو ما يجعل التحول الديموغرافي متفاوتاً جغرافياً واجتماعياً.
العلاق: الحديث عن «انفجار سكاني» مبالغ فيه
ويضع مستشار صندوق الأمم المتحدة للسكان مهدي العلاق هذا التحول في سياق زمني أوسع، مشيراً، بحسب التصريح الذي أوردته الوكالة الرسمية في النص محل التقرير، إلى أن معدل الولادات لدى المرأة العراقية كان في ثمانينيات القرن الماضي يتراوح بين 6 و7 ولادات، قبل أن يتراجع إلى نحو ثلاثة، مع انخفاض معدل النمو السكاني من أكثر من 3% قبل عقدين إلى نحو 2.5%.
ويرى العلاق أن وصف النمو السكاني في العراق بأنه «انفجاري» ينطوي على مبالغة، على الرغم من بقاء النمو مرتفعاً قياساً بالمعدلات العالمية.
وتدعم بيانات حديثة لصندوق الأمم المتحدة للسكان الاتجاه العام نفسه، وإن اختلف الرقم بحسب مصدر البيانات والمنهجية؛ إذ أعلن الصندوق، بالتعاون مع وزارة التخطيط في تموز/يوليو 2025، أن معدل الخصوبة في العراق يبلغ 3.3 طفل لكل امرأة وفق بيانات مسح I-WISH II، مقابل 3.2 في إقليم كردستان.
وهنا تظهر أهمية التفريق بين الأرقام: التعداد السكاني 2024 يسجل 3.1 طفل لكل امرأة على مستوى العراق، في حين أن رقم 3.3 الذي أورده صندوق الأمم المتحدة للسكان مصدره مسح مختلف؛ وبالتالي فإن اختلاف الرقمين لا يعني بالضرورة وجود تناقض، بل اختلاف المصدر والفترة والمنهج المستخدم في القياس.

46.1 مليون عراقي.. لكن الصورة أعمق من العدد
وجاء التحول في الخصوبة بالتزامن مع ظهور أول صورة إحصائية شاملة للسكان منذ عقود. فقد أعلن نائب رئيس الوزراء ووزير التخطيط محمد علي تميم في شباط/فبراير 2025 النتائج الأساسية للتعداد العام للسكان والمساكن، فيما عرض رئيس هيئة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية ضياء عواد كاظم البيانات التي أظهرت وصول عدد سكان العراق إلى 46,118,793 نسمة.
وبحسب النتائج، بلغ عدد الذكور 23,161,604 نسمة، بنسبة 50.22%، مقابل 22,957,189 أنثى، بنسبة 49.78%.
وقال وزير التخطيط محمد علي تميم عند إطلاق النتائج إن التعداد يمثل واحداً من أكبر وأصعب المشاريع التي شهدها العراق الحديث، مؤكداً الأهمية الاستثنائية للبيانات التي وفرها في التخطيط للبلاد.
أما نائب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة والمنسق المقيم في العراق غلام محمد إسحق، فأكد خلال المؤتمر نفسه أن نتائج التعداد لا تمثل مجرد أرقام ومؤشرات، بل تسهم في رسم السياسات العامة وتحديد أولويات الإنفاق وتوجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر حاجة.
العراق ليس أمام توقف للنمو
انخفاض الخصوبة لا يعني أن عدد سكان العراق بدأ بالتراجع. فالمؤشرات الرسمية لا تزال تسجل نمواً سكانياً مرتفعاً نسبياً، وتورد بيانات حكومية معدل نمو سكاني يبلغ نحو 2.5%.
وهذا التفريق أساسي: معدل الخصوبة يقيس متوسط عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة خلال سنواتها الإنجابية وفق المعدلات السائدة، أما معدل النمو السكاني فيقيس تغير حجم السكان بمرور الزمن. لذلك يمكن أن تنخفض الخصوبة، بينما يستمر إجمالي السكان في الارتفاع بسبب التركيبة العمرية الشابة والزخم السكاني المتراكم.
ويبدو هذا العامل مهماً في الحالة العراقية، إذ أظهرت قراءة لنتائج تعداد 2024 أن الفئة العمرية بين 15 و65 عاماً تشكل نحو 60.4% من السكان، وهي نسبة تمنح العراق قاعدة واسعة من السكان في سن العمل والإنجاب.
خريطة الخصوبة تكشف عراقين ديموغرافيين
ويكشف التوزيع الجغرافي للخصوبة عن فجوات مهمة. فبينما بلغ المتوسط الوطني 3.1، سجلت ميسان 3.8 أطفال لكل امرأة، ونينوى وصلاح الدين 3.7، والمثنى 3.6، والأنبار وذي قار 3.4، والبصرة 3.2.
وفي الطرف الآخر، بلغت الخصوبة 2.4 في السليمانية و2.6 في أربيل، بينما سجل إقليم كردستان ككل 2.6 طفل لكل امرأة وفق جدول هيئة الإحصاء الخاص بالتعداد.
وتفتح هذه الفوارق باباً أمام تحقيق أوسع بشأن العوامل المرتبطة بالتعليم والتحضر وعمل النساء والدخل والسكن وسن الزواج وتنظيم الأسرة؛ لكن لا يصح صحفياً نسبة الاختلافات إلى أي من هذه الأسباب قبل الحصول على بيانات أو تصريحات خبراء تثبت العلاقة في العراق تحديداً.
من «كثرة السكان» إلى كيفية استثمارهم
التحول الأهم الذي تطرحه الأرقام لا يتعلق فقط بالسؤال: كم يبلغ عدد العراقيين؟ بل بالسؤال الأكثر تأثيراً: كيف ستتعامل الدولة معتركيبتهم السكانية؟
فانخفاض الخصوبة من المستويات المرتفعة تاريخياً إلى قرابة ثلاثة أطفال لا يعني أن الضغط على المدارس والمستشفيات والسكن وفرص العمل سيختفي سريعاً. العراق ما زال يمتلك قاعدة سكانية شابة كبيرة، الأمر الذي يعني استمرار دخول أعداد واسعة إلى التعليم ثم سوق العمل خلال السنوات المقبلة.
ومن هنا تتحول القضية السكانية من مخاوف «الانفجار السكاني» وحدها إلى قضية إدارة النمو والاستفادة من النافذة الديموغرافية، عبر تحويل الكتلة الشابة إلى قوة منتجة بدلاً من أن تتحول البطالة وضعف الخدمات إلى عبء اقتصادي واجتماعي.
وتؤكد الأمم المتحدة هذا البعد؛ فقد اعتبر صندوق الأمم المتحدة للسكان إعلان نتائج تعداد 2024 خطوة محورية لاستخدام البيانات في التنمية المستدامة وصنع السياسات القائمة على الأدلة.
بالأرقام
| المؤشر | الرقم الموثق |
| عدد سكان العراق – تعداد 2024 | 46,118,793 نسمة |
| الذكور | 50.22% |
| الإناث | 49.78% |
| معدل الخصوبة – تعداد 2024 | 3.1 طفل/امرأة |
| معدل الخصوبة – مسح I-WISH II | 3.3 طفل/امرأة |
| معدل النمو السكاني الوارد في البيانات الحكومية | 2.5% |
| أعلى خصوبة بين المحافظات | ميسان 3.8 |
| أدنى خصوبة بين المحافظات | السليمانية 2.4 |
| خصوبة بغداد | 2.7 |
| خصوبة البصرة | 3.2 |
| خصوبة نينوى | 3.7 |
مجلة صوتها تصدر عن منتدى الاعلاميات العراقيات