سوسن الجزراوي
في واحدة من اهم مفاهيم علم الاقتصاد ، تقف السيولة المالية لتعلن تقدمها على باقي النظريات التي تعنى بالنقد واهميته .
وغالبًا ما ينظر اليها على أنها العمود الفقري لأي دولة تسعى إلى النمو والازدهار والاستقرار ، فوفرة المال أو الأصول القابلة للتحويل السريع إلى ( نقد ) يتيح للحكومات تسيير شؤونها اليومية ، من دفع الرواتب إلى تمويل المشاريع وتغطية النفقات الطارئة ، وما الى غير ذلك من الامور المهمة ، ومع ذلك ، فان اختزال نجاح الدول في عامل السيولة فقط ، يُعد تبسيطاً بائساً ، لا يعكس تعقيد عملية بناء الدول الحديثة .
كما ان ( السيولة ) في جوهرها ، تمثل القدرة على الحركة ، واتاحة فرص البيع والشراء دون خسائر ، وهي تمنح الاقتصاد مرونة عالية في التداول ، وتسمح بالتفاعل السريع وحل الازمات .
وعلى سبيل المثال لا الحصر ، فخلال الأزمات المالية أو الكوارث الطبيعية والصحية ، تحتاج الحكومات إلى سيولة فورية لدعم القطاعات المتضررة ومنع الانهيار الاقتصادي ، وقد أظهرت تجارب عالمية عديدة أن نقص السيولة يمكن أن يؤدي إلى شلل اقتصادي حتى في الدول المتقدمة ، وان اعتقد البعض ان المعاناة هي فقط للدول النامية ، وهذا هو الاعتقاد الخاطئ بعينه .
وهنا نجد ان المشكلة لا تكمن في أهميتها حسب ، بل في كيفية إدارتها وتوظيفها ، فهناك دول تمتلك احتياطيات مالية ضخمة ، سواء من الموارد الطبيعية أو الفوائض التجارية ، لكنها لم تفلح في تحقيق تنمية حقيقية يشار اليها بالاعجاب ، وهنا تتحول ( السيولة ) بالكاد ، الى أداة للاستهلاك قصير الامد بدل أن تكون وسيلة للاستثمار طويل الأمد ، ما يؤدي بالتالي الى خلق ( اقتصاد ) هش يعتمد على الإنفاق الحكومي بدلاً من الإنتاج الذي يدعم قوة البلد اقتصادياً .
في المقابل ، نجد دولاً أخرى لم تبدأ بسيولة كبيرة ، لكنها استطاعت بناء اقتصادات قوية من خلال الإدارة الفعالة للموارد المحدودة بعقلية احترافية .
هذه الدول ركزت على تطوير رأس المال البشري ، وتحسين جودة التعليم ، وبناء مؤسسات قوية ، وتشجيع الابتكار ، وبمرور الوقت ، نجحت في جذب الاستثمارات وتحقيق نمو مستدام ، ما أدى بدوره إلى زيادة السيولة بشكل طبيعي .
و أحد أبرز الأمثلة على سوء استخدام السيولة هو الاقتصادات الريعية التي تعتمد بشكل شبه كامل على مورد واحد ، مثل النفط ، وهذا ماسبق وان تطرقت اليه في مقال سابق عن ( الاقتصاد الريعي ) و في هذه الدول ، قد تتوفر سيولة ضخمة نتيجة ارتفاع أسعار هذا المورد ، لكن غياب التنويع الاقتصادي يجعلها عرضة للتقلبات .
وكنتيجة حتمية ، فعندما تنخفض الأسعار حينها ، تنكشف هشاشة الاقتصاد ، وتظهر أزمات مالية حادة .
في المقابل نجد ان الدول التي استثمرت عائداتها في قطاعات متنوعة مثل الصناعة والتكنولوجيا ، استطاعت تقليل اعتمادها على مصدر واحد ، وتعزيز استقرارها الاقتصادي .
و تلعب المؤسسات دوراً حيوياً في تحويل السيولة إلى تنمية حقيقية ، فوجود نظام قانوني شفاف ، وإدارة حكومية فعالة ، ومؤسسة رقابية صارمة ، يضمن استخدام الموارد المالية بشكل يخدم المصلحة العامة ، وفي حالة غياب هذه المؤسسات ، فقد تؤدي السيولة إلى تفشي الفساد ، وإهدار الموارد ، وتعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع ، فيظهر غياب الثقة في السياسات الاقتصادية أو في استقرار النظام السياسي ما قد يدفع رؤوس الأموال إلى الهروب ، وبهذا يضعف الاقتصاد بدلاً من دعمه .
وكمحصلة نهائية يمكن القول إن السيولة المالية شرط ضروري ، لكنها ليست كافية لبناء الدول ، فهي تشبه وقود المحرك ، لكن دون وجود محرك سليم ونظام قيادة فعّال ، لن تصل الدولة إلى وجهتها .
اذن ، يمكننا ان نقول : ان بناء الدول عملية معقدة تتطلب توازنًا بين الموارد المالية ، والإدارة الرشيدة ، والاستثمار في الإنسان ، وتعزيز المؤسسات لذلك ، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفير السيولة حسب بل في استخدامها بطريقة استراتيجية تضمن تحقيق بناء الدول التي تدرك ان هذا التوازن هو الذي ينجح في تحويل الثروة إلى قوة حقيقية ، تضمن مستقبلاً مستقراً للقادم من الاجيال .
مجلة صوتها تصدر عن منتدى الاعلاميات العراقيات