نحن سكان العراق الأصليين… قراءة في وَهّم البداية

منتصر صباح الحسناوي

تكثر التصريحات هنا وهناك، في الإعلام وأروقة الفكر والسياسة، بأن الصابئة المندائيون والإيزيديون والمسيحيين من الكلدان والآشوريين هم السكان الأصليون، وأن الكرد والعرب المسلمين غزاة على أرض الرافدين.
ويمضي الطرفان في هذا التصوّر بثقةٍ عالية، كأن الأرض تعرف أصحابها بالاسم.
من يقترب من المسألة بعينٍ علمية، عبر فهم علم الجينات وتراكبه، وتأثير الحركة السكانية، ودور البيئة، مع قراءةٍ واقعية للتاريخ، سيجد أن الحقيقة تقف في مكانٍ ثالث، أقرب لفهم هذا البلد.

العراق، الممتد بين دجلة والفرات، لم يكن يوماً بدايةً صافية لجماعةٍ واحدة. الأرض هنا تشبه طينها، تتكوّن من طبقات ترسبت نتيجة الانتقال، كل طبقةٍ تضيف إلى الأخرى دون أن تمحوها.
من يقرأ التاريخ كخطٍّ مستقيم سيبحث عن “الأول”، ومن يقرأه كتراكم سيدرك أن السؤال نفسه يحتاج إعادة صياغة.
عند طرح فكرة “الأصليين” بوصفها ملكيةً حصرية، تغيب طبيعة هذا المكان وتراكماته التاريخية.
في العصور القديمة، لم تكن هناك حدود تفصل الداخل عن الخارج كما نتصورها اليوم، كانت الحركة طبيعية بين مناطق متقاربة، تتشابه في البيئة والمناخ واللغة.
من وصل إلى هنا دخل في عملية تحوّلٍ طويلة ومخالطة، تغيّرت فيها لغته وتبدّلت عاداته، حتى أصبح جزءاً من المكان والجماعة التي غير وتغير معها.
حتى الجماعات التي يُستشهد بها بوصفها جذوراً قديمة، مثل الكلدان أو الآشوريين، لم تنشأ في فراغٍ معزول، ولا بقيت على صورةٍ واحدة، هي نتاج تفاعلٍ طويل داخل هذه الأرض، تأثرت وأثّرت، ومرّت بتحولاتٍ كما مرّ غيرها. ومع ذلك، تحتفظ بعض هذه الجماعات بدرجةٍ أوضح من الاستمرارية التاريخية، ما يمنحها عمقاً حقيقياً في هذا المكان، دون أن يتحول ذلك إلى تفوقٍ أو أحقيةٍ منفردة.

وفي الجهة المقابلة، من يرى نفسه وافداً يختصر التجربة أيضاً، الوصول ليس نهاية الحكاية، وصول قومٍ إلى أرض لا ينفي من كان عليها، بقدر ما هو إضافةٌ إلى نسيجٍ يتأصل بحكم البيئة والواقع مع من سبقه، حتى لو كانت بداياته بعيدة.
البيئة العراقية كغيرها لا تترك أحداً كما هو النهر يفرض إيقاعه والحرارة تعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية. مع الوقت، يتحول القادم إلى ابنٍ للمكان، لا ضيفاً عليه.

الاختلاط قاعدة، ما تغيّر عبر الزمن هو الأسماء واللغات وطرق فهم الناس لأنفسهم، كثير مما يُظن اليوم “أصلاً” هو في حقيقته نتيجة تكيّفٍ طويل، تحوّل إلى هوية، ثم إلى سردية تُروى بثقة.
عندما تتضح هذه الصورة، تتراجع الحاجة إلى المفاضلة، لا يعود السؤال: من الأحق؟
فابنُ الديوانية العربيُّ المسلم هو حصيلةُ تراكمٍ بشريٍّ طويل، أقربُ في جذوره إلى ذلك السومري الذي سكن نيبور، منه إلى صورةِ المهاجرِ البعيد كما تُقدّمه بعض السرديات. وهذا المثل ينطبق على جميع شعب العراق
لهذا، يمكن قراءة الجملة بطريقةٍ أوسع:
نحن سكان العراق الأصليين… بقدر ما تجذّرنا فيه وبقدر ما تغيّرنا معه.
الأصالة هنا زمنٌ متصل وهويةٌ حيّة وانتماءٌ يُبنى في الأرض كما يُبنى في الإنسان.

شاهد أيضاً

إيران بعد حرب الأربعين يوماً: لحظة الانتقال من الثورة إلى الدولة

تشير النقاط التي قام عليها الاتفاق الأخير الذي أوقف المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!