خلال الفترة من عام 2003 إلى عام 2023، شهد الاقتصاد العراقي تحولات جذرية، فقد تعرض لموجات من التغيرات المتقلبة في أسعار النفط، بالإضافة إلى مواجهته تحديات اقتصادية وسياسية متعددة ومعقدة.
الاعتماد على النفط: يعد النفط المصدر الرئيسي للإيرادات الاقتصادية، حيث يشكل أكثر من 95% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. هذا الاعتماد الكبير يجعل الاقتصاد العراقي عرضة للتقلبات التي تطرأ على أسواق النفط العالمية، مما يؤثر بشكل مباشر على الاستقرار المالي والاقتصادي للدولة.
يعيش الاقتصاد العراقي اليوم مرحلة حرجة تمثل نقطة تحول مهمة، حيث تتداخل فيها تحديات جسيمة مع فرص واعدة للنمو والتطور، وذلك وفقًا لتقييمات صندوق النقد الدولي وآراء عدد من الاقتصاديين الذين يرون أن العراق يواجه امتحانًا حقيقيًا في قدرته على إدارة موارده والقيام بالإصلاحات الهيكلية التي طال انتظارها.
ففي ظل الانخفاض المستمر في عائدات النفط، وتناقص الاحتياطيات الأجنبية وضعف تدفقات الاستثمار، يجد العراق نفسه عالقًا في شبكة من الأزمات المتراكمة، مما يعيق الاستدامة المالية للبلاد ويضع ضغوطًا هائلة على الميزانية العامة.
يعتبر صندوق النقد الدولي أن الوضع المالي العام في العراق أصبح أكثر هشاشة، حيث تزايدت فجوة العجز وتفاقم الاعتماد شبه الكامل على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات. وقد أشار خبراء الاقتصاد إلى أن المشكلة الأساسية لا تعود إلى نقص الموارد، بل إلى سوء إدارتها، وانعدام وجود بنية تشريعية وتنظيمية فعالة قادرة على تحويل الإمكانات المتاحة إلى قوة إنتاجية واستثمارية مستدامة.
ومع ذلك، لا يزال لدى العراق فرصة حقيقية لتحقيق الاستقرار إذا تم اتخاذ خطوات فعالة وجادة نحو معالجة هذه القضايا.
قررت الحكومة الجديدة تبنّي استراتيجية إصلاح شاملة تهدف إلى معالجة قضايا الهدر والفساد، وتعتمد هذه الاستراتيجية على إعادة تنظيم المالية العامة بشكل فعال، كما تهدف إلى إحياء وتنشيط القطاعات غير النفطية التي تعاني من ركود طويل الأمد.
يمكن للعراق أن يعمل على تعزيز وتطوير القطاع الصناعي بهدف تقليل اعتماده على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، كما يمكنه تحسين وتطوير القطاع الزراعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي، مما يساهم في تقليل كميات المنتجات الزراعية المستوردة. إضافةً إلى ذلك، يمكن للعراق أن يوسع قطاع السياحة من أجل جذب الاستثمارات الخارجية وزيادة الإيرادات الوطنية.
وفي سياق الاقتصاد الكلي، يشير تقرير صندوق النقد الدولي إلى توقعات نمو الاقتصاد العراقي، حيث من المتوقع أن ينمو بنسبة 1.4% في عام 2024، وبنسبة 5.3% في عام 2025. وللتمكن من تحقيق هذا النمو المستدام، يحتاج العراق إلى تنفيذ إصلاحات هيكلية شاملة، بالإضافة إلى العمل على تنويع اقتصاده ليكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.
أكد الدكتور هاني حافظ، الخبير الاقتصادي، أن العراق يواجه أزمة مالية عميقة، وأوضح أن هذه الأزمة ليست ناتجة عن قلة الموارد الطبيعية المتاحة، بل تنبع من سوء الإدارة المستشرية، وزيادة الهدر المالي، وغياب الموازنة الفعلية التي من شأنها تنظيم المال العام، فضلًا عن ارتفاع مستوى الديون. كما أشار إلى أن الاعتماد شبه الكامل على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات يعمّق من الأزمة.
وفي سياق تحليله، اعتبر أن السبب الرئيس وراء هشاشة الاقتصاد العراقي يكمن في ضعف التشريعات القانونية، وانخفاض كفاءة البنية التحتية، فضلًا عن زيادة فاتورة الرواتب بشكل مفرط، وتعدد مصادر الفساد التي تلتهم الموارد. وهذا الواقع يجعل الاقتصاد العراقي عرضة للانهيار مع كل هبوط في أسعار النفط.
وأكد أن الأسعار الحالية التي تتراوح حول 60 دولارًا للبرميل تكاد لا تغطي النفقات التشغيلية الضرورية، مما يفاقم الأزمة المالية في البلاد.
كما أكد محللون سياسيون أنه عندما تم إغلاق مضيق هرمز، كان هذا الأمر يمثل هاجسًا كبيرًا ومخاوف متزايدة على مدى سنوات عديدة، وليس مجرد حدث عابر. وقد أصبح من الواضح أننا أهدرنا الكثير من الوقت وأضعنا العديد من الفرص التي كانت متاحة أمامنا.
كان بإمكان العراق أن يتحول إلى دولة ريعية منتجة، تعزز من اقتصادها في مختلف القطاعات، وليس فقط كدولة تعتمد بشكل أحادي على النفط.
هذا الإغلاق لمضيق هرمز جعل العديد من العراقيين يشعرون أنهم في وضع صعب للغاية، حيث واجهوا خطر الاعتماد على مورد واحد بطريقة غير مستدامة.
ونتيجة لذلك، بات من الواضح أن صانعي القرار السياسي والاقتصادي في البلاد بحاجة إلى إعادة تقييم استراتيجياتهم والتفكير في طرق جديدة لتحقيق التنمية المستدامة، من أجل تجنب المخاطر المستقبلية التي قد تأتي من الاعتماد على مصادر أحادية.
يتعين على الاقتصاديين وصانعي القرار التنموي في العراق تحمل المسؤولية، وأشير هنا بالتحديد إلى الحكومات التي تعاقبت على حكم البلاد، إذ كان بإمكان هذه الحكومات الاستفادة من الموارد المتاحة الأخرى لتعزيز الميزانيات، بما في ذلك تطوير المنافذ الحدودية وموارد أخرى.
يجب أن نتجنب أن يتحول العراق إلى دولة تقتصر على الاستهلاك، وتكون معتمدة فقط على إنتاج النفط، ويجب أن ندرك أن النفط في السنوات القادمة قد ينتهي أو يتحول إلى سلعة ثانوية يفقد قيمته، مما يستدعي الحاجة إلى تنويع مصادر الاقتصاد قبل فوات الأوان.
تواجه العراق اليوم مشكلة حادة تتمثل في أن الإيرادات التي يتم إدخالها إلى البلاد لا تغطي حتى ربع احتياجات الإنفاق الحكومي، في الوقت الذي يحتاج فيه العراق إلى نحو عشرة تريليونات دينار لتلبية هذه النفقات.
إن الوضع الحالي الذي نعيشه يكشف عن حجم الكارثة والمأزق الذي أصبحنا فيه، لدرجة أننا لن نستطيع حتى أن نلوم أنفسنا على ما يحدث.
مجلة صوتها تصدر عن منتدى الاعلاميات العراقيات