لماذا آن الأوان لأن تكون رئيسة مجلس الوزراء في العراق؟

ليس السؤال: هل يمكن أن تكون المرأة رئيسة لمجلس الوزراء في العراق؟ فالدستور لا يمنع ذلك، والنظام السياسي من حيث الشكل لا يضع قيدًا جندريًا على هذا المنصب، بل السؤال الحقيقي هو: لماذا لم يحدث ذلك حتى الآن، رغم مرور أكثر من عقدين على التجربة السياسية الجديدة؟
إن الإجابة تكشف عن خلل عميق في البنية الاجتماعية والسياسية، أكثر مما تكشف عن نقص في قدرات المرأة العراقية، فالمرأة في العراق أثبتت حضورها في ميادين العلم والعمل والإدارة، لكنها بقيت محاصرة في سقف سياسي منخفض بسبب منظومة تقليدية تُعيد إنتاج نفسها عبر آليات التوافق الحزبي والنخب المغلقة ذات الطابع الذكوري، وهي منظومة لا تختار دائمًا الأكفأ، بل تختار الأكثر قابلية للاندماج في شبكة المصالح القائمة.
إن الدعوة إلى أن تكون رئيسة مجلس الوزراء امرأة ليست دعوة رمزية أو استعراضية، وليست محاولة لتقليد نماذج خارجية، بل هي دعوة لإحداث خرق نوعي في طريقة التفكير السياسي، لأن استمرار احتكار السلطة التنفيذية العليا من قبل الرجال ليس قدرًا طبيعيًا، بل نتيجة تاريخية يمكن تجاوزها عندما تتغير معايير الاختيار.
في إطار الفلسفة الحضارية، لا تُقاس صلاحية القائد بنوعه الاجتماعي، بل بقدرته على إدارة المركب الحضاري بعناصره الخمسة: الإنسان، الأرض، الزمن، العلم، والعمل، وعلى تفعيل منظومة القيم العليا التي تقوم عليها الدولة الحضارية الحديثة، مثل العدالة، والمسؤولية، والإتقان، والتعاون، والثقة، والسلام، والإبداع، وهذه القيم ليست حكرًا على الرجال، بل ربما تكون المرأة، بحكم خبرتها الاجتماعية وتكوينها النفسي، أكثر قدرة على تجسيد بعضها في الإدارة العامة، خصوصًا في مجالات بناء الثقة وإدارة التوازنات المجتمعية.
إن انتخاب أو تكليف امرأة برئاسة مجلس الوزراء يمكن أن يكون لحظة تأسيسية في مسار التحول الحضاري، لأنه يرسل رسالة مزدوجة: رسالة إلى الداخل مفادها أن معيار الكفاءة بدأ يتقدم على معيار الانتماء، ورسالة إلى العالم بأن العراق قادر على كسر أنماطه التقليدية والانفتاح على طاقات مجتمعه كاملة دون إقصاء.
ولا يعني ذلك أن أي امرأة تصلح لهذا المنصب، كما لا يصلح أي رجل له، بل المقصود هو فتح الباب أمام ترشيح امرأة تمتلك الكفاءة والخبرة والرؤية، ومنحها فرصة عادلة ضمن عملية اختيار شفافة، لا أن تُستبعد مسبقًا بسبب تصورات اجتماعية موروثة.
إن الإبقاء على الوضع القائم يعني استمرار إعادة إنتاج نفس النتائج، أما التغيير الحقيقي فيبدأ غالبًا بخطوة جريئة تكسر المألوف، وتعيد تعريف الممكن، وربما تكون هذه الخطوة في العراق هي أن تُطرح بجدية فكرة أن يكون رئيس مجلس الوزراء امرأة، ليس بوصفها استثناءً، بل بوصفها تعبيرًا عن نضج الدولة والمجتمع.
عندها فقط، يمكن القول إن العراق بدأ يقترب من الدولة الحضارية الحديثة، التي لا تعطل نصف طاقتها، ولا تُقيد مستقبلها بقيود الماضي، بل تمضي إلى الأمام بكل ما تملكه من إمكانات بشرية وقيمية.
محمد عبد الجبار الشبوط
٢٦ اذار ٢٠٢٦

شاهد أيضاً

العالم ليس في أمان!!

بقلم حنان تركيمع ازدياد رقعة الحرب وتقلص فرص السلام لم يعد العالم في أمان.. الة …

error: Content is protected !!