حوار خاص – مجلة صوتها
في عالمٍ يتسارع فيه التغيير وتتعاظم فيه التحديات، تبرز شخصيات أكاديمية عراقية نسائية استطاعت أن تجمع بين الفكر والقيادة، بين البحث العلمي والمسؤولية الوطنية. الدكتورة أثمار العزاوي، عميد كلية التربية للبنات في جامعة بغداد وعضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان سابقًا، واحدة من تلك النماذج الملهمة التي آمنت بأن العلم رسالة، وبأن تمكين المرأة ليس شعارًا بل مسار وعي متكامل.

في هذا الحوار الخاص مع مجلة صوتها، تحدثت د. أثمار عن رحلتها الأكاديمية، وتحديات المرأة القيادية، وعلاقة علم النفس بالأمن المجتمعي والسلام، ورؤيتها لمستقبل التعليم والمرأة العراقية.
س: دكتورة أثمار، لو عدنا إلى البدايات… ما الذي دفعكِ لاختيار تخصص علم النفس؟
ج: اخترتُ علم النفس التربوي لإيماني بأن التعليم لا ينجح دون فهم عميق للمتعلم وسلوكه داخل البيئة التعليمية. وجدتُ فيه أدوات علمية لفهم العملية التعليمية بعيدًا عن الأحكام العشوائية، وساعدني في بناء شخصيتي الأكاديمية وفهم الفروق الفردية واكتساب مهارات التحليل والتفكير النقدي.

س: خلال رحلتك داخل جامعة بغداد ووصولك إلى عمادة كلية التربية للبنات، ما أبرز التحديات التي واجهتك كامرأة قيادية؟
ج: أبرز التحديات كانت النظرة التقليدية لدور المرأة، التي غالبًا ما تُحصر في كونها “ربة منزل” لا “قائدة مؤثرة”. واجهت مقاومة غير مباشرة من بعض العقليات التي تشكّك في قدرة المرأة على القيادة، لكن إيماني برسالة التعليم ودعم وزارة التعليم العالي عبر وحدات تمكين المرأة ساعداني على تحويل تلك التحديات إلى فرص للنمو والتأثير.

س: علم النفس بالنسبة لكِ… مهنة أم رسالة؟
ج: هو مزيج من الاثنين. علم النفس مهنة قائمة على منهجيات دقيقة، لكنه أيضًا رسالة إنسانية تهدف إلى دعم الإنسان وتحقيق التوازن النفسي وتحسين جودة الحياة. العلم والضمير هما جناحاه الحقيقيان.
س: كيف تنظرين إلى دور المرأة الأكاديمية اليوم في صياغة الوعي المجتمعي؟
ج: المرأة الأكاديمية اليوم لم تعد ناقلة للمعرفة فحسب، بل شريكة في إنتاجها، وصانعة وعي جديد للمجتمع. وجودها في مواقع القيادة والبحث والتعليم يسهم في إعادة تشكيل صورة المرأة كقائدة وصاحبة رأي ومسؤولية.
س: برأيك، ما الذي تحتاجه المرأة العراقية لتصل إلى مواقع القرار بثقة واستحقاق؟
ج: تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بالدعم المؤسسي وتنتهي بتغيير النظرة المجتمعية. علينا أن ننتقل من “التمكين الشكلي” إلى التمكين الحقيقي، عبر التدريب، وتأهيل الكفاءات النسائية، وتوفير فرص عادلة في القيادة. كما يجب أن تتغيّر الصورة النمطية للمرأة من خلال الإعلام والمناهج ونماذج ناجحة تُبرز قدرتها على التوازن بين الأسرة والمجتمع.
س: من خلال مشاركاتك في لجان تمكين المرأة، ما أكثر ما يقلقك في واقع المرأة العراقية؟ وما يمنحك الأمل؟
ج: ما يقلقني هو استمرار هيمنة الثقافة الذكورية التي تقلل من قدرات المرأة وتُقصيها عن مراكز القرار. أما ما يمنحني الأمل فهو إصرار النساء العراقيات، خصوصًا الشابات، على التقدم والتعلم واكتساب المهارات رغم الصعوبات.

س: بصفتك عضواً سابقاً في المفوضية العليا لحقوق الإنسان، كيف تقيّمين مسار حقوق الإنسان في العراق؟
ج: هناك تطور ملحوظ في الانخراط بالآليات الدولية وتقديم التقارير الوطنية، وهو مؤشر إيجابي على الالتزام بالتعهدات. صحيح أن بعض الملفات لا تزال تواجه تحديات، لكن هناك تجاوب رسمي متزايد يعكس نية حقيقية للإصلاح.
س: ما أبرز التحديات التي واجهتها خلال عملك في المفوضية؟
ج: التحدي الأكبر كان الموازنة بين المهنية والواقع السياسي الحساس، خصوصًا في ملفات الاحتجاجات والاعتقالات. كما واجهنا نقصًا في الإمكانات الفنية وتأخرًا في الاستجابات المؤسسية، لكننا نجحنا في التوثيق والمشاركة الدولية بفضل كفاءات وطنية مخلصة.
س: ما الذي تعلّمتِه من تجربة العمل الحقوقي؟
ج: تعلّمت أن العمل الحقوقي يحتاج إلى الصبر والحياد والإيمان العميق بالمبادئ. الحقوق لا تُمنح بل تُبنى بالحوار والوعي. والنجاح فيه يتطلب التوازن بين المثالية والواقعية دون التخلي عن جوهر العدالة.
س: لكِ دور فاعل في مستشارية الأمن الوطني ومركز النهرين. كيف يمكن لعلم النفس أن يخدم الأمن المجتمعي؟
ج: علم النفس يُسهم في فهم السلوك الفردي والجماعي والتنبؤ بالمخاطر الاجتماعية، ويساعد في الكشف المبكر عن مؤشرات التطرف. كما يقدّم برامج دعم نفسي تعزّز المناعة المجتمعية وتحوّل الأمن إلى مفهوم إنساني شامل يعالج الجذور لا النتائج فقط.
س: كيف تربطين بين السلام الداخلي والسلام المجتمعي؟
ج: لا يمكن أن يوجد أحدهما دون الآخر. السلام الداخلي يبدأ من وعي الفرد وتوازنه، وهو الأساس لبناء سلام مجتمعي يقوم على العدالة والمساواة. المجتمع المتوازن هو مجموع أفراد يعيشون سلامهم الداخلي بوعي ومسؤولية.
س: شاركتِ في حملات لمكافحة التطرف، فكيف يمكن للجامعات أن تكون جزءًا من الحل؟
ج: الجامعات هي بيئات تشكيل الوعي. يمكنها أن تواجه التطرف من خلال المناهج التي تعزز التفكير النقدي وثقافة الحوار، وتمكين الأساتذة والطلبة من النقاش والانفتاح. كما أن البحث العلمي والمبادرات الطلابية عنصران أساسيان في بناء السلام من الداخل.
س: ما أهم ملامح خطتكم الاستراتيجية في كلية التربية للبنات؟
ج: نعمل على التحول الرقمي، ورفع جودة البرامج الأكاديمية وفق المعايير الدولية، وتعزيز التعليم المتمركز حول الطالبة. كما نسعى إلى بيئة أكاديمية محفزة للإبداع، ونظام جودة وتحسين مستمر لمخرجات التعلم.
س: كيف يمكن للمناهج التربوية أن تبني جيلاً واعيًا بحقوقه ومسؤولياته؟
ج: من خلال دمج القيم والمعارف والمهارات، وتعليم حقوق الإنسان والمواطنة بأساليب تفاعلية. المناهج الواعية لا تُلقّن، بل تزرع التفكير النقدي وتحوّل المعرفة إلى سلوك وممارسة واقعية.
س: ما الرسالة التي تودين توجيهها لطالباتك وللشابات العراقيات؟
ج: ثقي بنفسكِ، واصنعي لنفسكِ طريقًا لا يُشبه أحدًا. لا تدعي العوائق تُقيّدك، فالقيادة ليست منصبًا بل تأثير وإلهام. كوني نموذجًا في النزاهة والإبداع، فالعراق بحاجة إلى جيل نسوي مؤمن بالوطن ومسلّح بالمعرفة والوعي.
س: بين المسؤوليات الأكاديمية والمناصب الوطنية، كيف تحافظين على توازنك النفسي؟
ج: بالتنظيم والوعي الذاتي وتحديد الأولويات. أؤمن أن التوازن لا يعني الكمال، بل إدارة الضغوط بحكمة. أستمد قوتي من الإنجاز وخدمة الآخرين، فهي طاقتي المتجددة.
س: وأخيرًا… ما القيمة التي تعتبرينها سر نجاحك؟
ج: الصدق. كان بوصلتي في كل قرار، ومصدر قوتي في مواجهة التحديات. الصدق مع النفس والآخرين يمنح اتساقًا داخليًا وثقة متبادلة تصنع الفرق الحقيقي في كل موقع.
س: لو لم تكوني دكتورة في علم النفس… ماذا كنتِ ستختارين؟
ج: كنت سأختار علم النفس مجددًا، لأنه ليس مجرد تخصص، بل شغف ورحلة لفهم الإنسان والمجتمع بعمق، وطريق للتغيير من الداخل.
مجلة صوتها تصدر عن منتدى الاعلاميات العراقيات