حين يصبح الإنسان خالقاً

في كل خلية من خلايا الإنسان تحمل حياتنا بصمتها الأولى، رمزان صغيران يحددان جنسنا البيولوجي: XX لأنثى، XY لذكر.
رموز كانت لآلاف السنين سرًّا إلهيًّا لا يعرفه إلا الله، تحدث في الخفاء، بعيدًا عن يد الإنسان.
لكن في زمننا اليوم، أصبحت التقنية قادرة على أكثر مما تخيّلناه: لم نعد فقط نخلق الحياة في المختبر،
بل نستطيع اختيار جنسها أيضًا.

الإنسان بين العلم والخلق

من خلال تقنيات مثل أطفال الأنابيب (IVF) والفحص الجيني قبل الزرع (PGT)، يتم تحفيز مبايض المرأة لإنتاج عدة بويضات تُخصّب خارج الجسم، ثم تُفحص كروموسومات الأجنة.
يُختار منها ما يحمل الجنس المطلوب، وتُزرع هذه الأجنة في رحم الأم، بينما تُجمّد أو تُتلف الأجنة الأخرى.
من منظورٍ علمي، هذا إنجاز طبي هائل.
لكن من منظورٍ إنسانيٍّ وروحيّ، تظهر أسئلة عميقة:
هل أصبح الإنسان خالق نفسه؟
وماذا يحدث لتوازننا النفسي حين نحاول التحكم في ما كان يومًا سرًّا إلهيًّا؟

الاختلال النفسي في زمن السيطرة

في علم النفس نتحدث كثيرًا عن التوازن والامتنان والقبول.
القدرة على التعايش مع ما هو موجود، ومع ما لا نستطيع تغييره، هي أساس السلام الداخلي.
لكن حين يبدأ الإنسان باختيار جنس الطفل وتحديد موعد الخلق، يفقد شيئًا من تواضعه أمام الحياة.
نسعى إلى الأمان عبر السيطرة، لكن السيطرة تخلق قلقًا جديدًا:
حين نعتقد أننا نتحكم بكل شيء، نصبح مسؤولين عن كل ما لا يسير كما نريد.

منظور ديني وروحي

من الناحية الدينية، لكل روح وقتها ومعناها الذي كتبه الله.
اختيار الجنس قد يبدو للبعض تدخّلًا في إرادة الخالق،
وقد يراه آخرون معجزة علمية.
لكن بين المعجزة الغرور، بين النور والظلال، هناك خيط رفيع يفصل بين الحكمة والغرور.
السؤال ليس: هل نستطيع؟ بل: هل ينبغي أن نفعل؟

بين التقدّم وفقدان الإنسان لجوهره

لا شك أن هذه التقنيات أنقذت كثيرًا من الأزواج الذين حُرموا من الإنجاب،
لكن حين تُستخدم لتشكيل الحياة وفق رغباتنا بدل تقبّلها كما هي، نفقد جزءًا من إنسانيتنا.
ننسى أن الجمال في الحياة يكمن في الغموض، في ما لا يمكن التنبؤ به.
نتحدث عن الامتنان والوعي اللحظي (Mindfulness)،
لكننا ننسى أن جوهر الامتنان هو القبول — أن نقول بصدق: ما كتبه الله لي هو الخير.

تأمل أخير

العلم منحنا القوة، لكنه لم يمنحنا دائمًا الحكمة.
وحين يصبح الإنسان قادرًا على تحديد من يولد ومتى،
عليه أن يتذكر أنه ما زال مخلوقًا،
وليس خالقًا.

إنّ الهدف من هذه المقالة ليس الحديث عن العلم أو الأخلاق فحسب، بل عن الإنسانية ذاتها.
لقد رأيتُ كيف يختار الكثيرون اليوم، حين تُتاح لهم الفرصة، أن يكون الجنين ذكرًا لا أنثى.
يريدون أن يضمنوا بقاء الاسم، واستمرار السلالة.
لكن حين يُتخلّى عن الأجنّة التي تحمل الكروموسوم XX – حين تُرمى الأجنّة الأنثوية –
فإننا نُعيد ارتكاب الجريمة ذاتها التي كانت في عصر الجاهلية قبل الإسلام،
حين كان الناس يَئِدون البنات خوفًا أو عارًا.
اليوم نفعلها بطريقةٍ صامتةٍ وحديثة،
لكن جوهر الفعل لم يتغير:
إنه وأد البنات نفسهُ،
بلغةٍ علمية وثوب جديد.
بقلم رشا مهند .

شاهد أيضاً

القرار في ميزان الحكمة والتخطيط

سوسن الجزراوي لم يعد السؤال اليوم كيف يُصنع القرار؟ وما هي شروطه، بل من يملكه …

error: Content is protected !!