اليوم الوطني: العراق أولًا وأبقى

د.نبراس المعموري

يُعد الثالث من تشرين الأول/أكتوبر محطة فارقة في تاريخ العراق الحديث، ففي مثل هذا اليوم من عام 1932 انضم العراق إلى عصبة الأمم ليكون أول دولة عربية تنال استقلالها الكامل وتعترف بها الأسرة الدولية كدولة ذات سيادة وعضو فاعل في المجتمع الدولي، وهو الحدث الذي شكل نهاية حقبة الانتداب البريطاني وبداية عهد الدولة العراقية الحديثة، وقد تم تثبيت هذا اليوم رسمياً بموجب القانون الذي أقره مجلس النواب عام 2020 ليكون يوماً وطنياً يحتفل به العراقيون كل عام استنكاراً لتضحيات الأجيال وإحياءً للذاكرة الوطنية وترسيخًا للهوية الجامعة.

يأتي الاحتفال هذا العام مختلفاً لما حمله من خصوصية كبرى، إذ يُعد أول احتفاء واسع النطاق يشهده العراقيون باهتمام حكومي ومؤسساتي واضح ، حيث اعلن عن إطلاق فعاليات وأنشطة رسمية وشعبية وفنية كبيرة تهدف إلى إبراز أهمية هذه المناسبة وتعزيز روح الانتماء، في وقت يحتاج فيه الوطن إلى وحدة الكلمة وتكاتف الجهود لمواجهة التحديات وصناعة مستقبل مزدهر.

ان اليوم الوطني ليس مجرد ذكرى رمزية أو مناسبة بروتوكولية، بل هو رسالة متجددة بأن العراق، رغم ما مر به من صعاب، يبقى عصياً على الانكسار وقادراً على النهوض بفضل أبنائه وسواعد المخلصين من اعتلوا منبر الحكومة بشعار الإعمار والبناء قولا وفعلا ، وهو في جوهره دعوة صريحة لتجسيد الوطنية سلوكاً يومياً وممارسة عملية، فالمطلوب من المواطن أن يترجم حبه لوطنه بالالتزام بالقانون، والإخلاص في العمل، وصيانة الممتلكات العامة، والتمسك بروح التعايش والتضامن بين جميع المكونات، فيما يُنتظر من المؤسسات الرسمية بمختلف تخصصاتها بعيدا عن الانتماءات الفرعية والحزبية أن ترعى هذا الشعور الوطني وتدعمه من خلال ترسيخ مبادئ العدالة والمساواة، وتوفير الخدمات الأساسية، والارتقاء بالتعليم والثقافة، وتوظيف الإعلام الوطني في نشر الوعي وترسيخ الهوية، لأن العلاقة بين المواطن والدولة علاقة تكامل لا تنفصم، فكلما قوي أحدهما ازدهر الآخر.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن بعض الجهات الحزبية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، ما تزال تمارس أدوارًا سلبية وتضع مصالحها الضيقة فوق المصلحة الوطنية العليا، فتغذي الانقسامات وتهدد وحدة الصف وتحاول عرقلة مهمة الإعمار والبناء بدل أن تكون رافعة للديمقراطية والاستقرار، وهو ما يجعل من اليوم الوطني فرصة لمساءلة هذه الممارسات والدعوة الصريحة إلى تقديم العراق على ما سواه.

إن إحياء اليوم الوطني في الثالث من تشرين الأول هو إحياء لذاكرة وطنية عريقة تمتد جذورها من حضارات سومر وبابل وآشور وصولًا إلى الدولة العراقية الحديثة، وهو تجديد للعهد بأن العراق سيبقى دائمًا أرض الحضارات وموطن العزة والبطولة، وأن أبناءه قادرون على صناعة مستقبل يليق بتاريخهم العريق ويحقق تطلعاتهم المشروعة في الاستقرار والعدالة والازدهار.

شاهد أيضاً

الاتجار بالبشر… عبودية في ثوب جديد

د. نبراس المعموري خلال السنوات الأخيرة شهدت الساحة العراقية تصاعداً مقلقاً في بعض الظواهر الإجرامية …

error: Content is protected !!