سوسن الجزراوي
لم تكن كل تلك المحطات التي مر بها ( ونستون تشرشل ) ، نقاط مرور عابرة ، فبين ان يكون ضابطاً ومؤرخاً وكاتباً ، ورئيساً للوزراء مرتين في اشد الازمنة توتراً ، وأن يشخّص كأحد أبرز القادة السياسيين الذين ظهروا على الساحة السياسية خلال الحروب التي اندلعت في القرن العشرين ، فهو قادر ان يصف السياسة بأدق التعابير وأعمقها ، وحين قال : في السياسة ليس هناك عدو دائم او صديق دائم ، هناك مصالح دا ئمة ! يكون قد اختصر واقع العلاقات بين الدول والحكومات ، فالمصالح هي العامل الحاسم لكل مشاعر الساسة ازاء بعضهم البعض ، وعدو الامس قد يصبح اقرب الاصدقاء اذا حكمت تلك (( المصالح )) !
ومع التصويت على انهاء تفويض الحرب على العراق لعامي 1991 ، 2002 ، الذي جرى مؤخرا في اجتماعات مجلس النواب الامريكي ، تكون قرارات النزاعات المسلحة ، قد انضوت تحت اجنحة اعضاء هذا المجمع السياسي الذي قد يسمح او لايسمح بدق طبول اي معركة قادمة !
ومجئ هذا التصويت وتزامنه مع اطلاق سراح المختطفة الروسية الاسرائيلية ، قاد بعض المحللين والمتابعين للشأن السياسي ، ان يعتقدوا انه جاء كخطوة لتحسين العلاقات بين اميركا والعراق ، وهذا الاعتقاد يراه الكثير بأنه اعتقاد خاطئ ، فالحراك لالغاء هذا التفويض موجود بين مجلسي النواب والشيوخ الامريكي منذ عام 2021 ، اي انه ليس وليد لظروف او احداث جديدة ، مايبعد رواية ( تسوركوف ) عن المشهد هذا .
ومن الواضح ، أن تصويت مجلس النواب الأمريكي على إنهاء تفويض الحرب في العراق يعني بلا شك أن واشنطن لم تعد تحتاج لهذا القانون لشن حرب على العراق ، وإن العلاقة بين العراق والولايات المتحدة ، تحولت وفق اخر التطورات هذه ، إلى علاقة تحالف سياسي استناداً لاتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة عام 2008 ، تلك الاتفاقية الأمنية بين حكومة ( العراق والولايات المتحدة ) ، والتي تضمنت تحديد الأحكام والمتطلبات الرئيسة التي تنظم الوجود المؤقت للقوات العسكرية الأميركية في العراق وأنشطتها فيه وانسحابها من العراق .
وكان العام 2003 قد شهد أقرار قانون تحرير العراق في الكونغرس وطبقا للدستور فوض الإدارة الأمريكية بالحرب على العراق وبكلفة تقدر 250 مليار دولار .
الا ان البعض ايضا يرون ، وطبقا للدستور الأمريكي ، أن الرئيس ( الأمريكي )، يحق له شن عمليات عسكرية محدودة دون الرجوع للكونغرس بمعنى انه يستطيع اتخاذ قرار بقصف قواعد عسكرية معينة ، لضمان أمن القوات والمصالح الأمريكية وفق وجهة نظره .
ومع كل مايمكن ان تمتلكه صلاحيات الرئيس الامريكي ، الا ان قرارات كبيرة مثل شحن الحروب اصبح اليوم بعيدا عن القرارات الفردية ، وتحول الى ساحة اكبر تخضع لدراسات ومناقشات مستفيضة قبل اتخاذ قرارات بشانها .
وللتصويت ضد تفويض الحرب ، الكثير من الميزات والرسائل والمخططات التي تخدم الولايات المتحدة نوعاً ما ، ومن هذه النقاط المهمة نعود الى مقال كان قد نشره السيناتور الامريكي تيم كين عام 2023 ، ففي احداها ، اشار الى ان الابقاء على قرار تفويض الحرب لسنوات وعقود طويلة ، يلغي دور الكونغرس او يضعف منه في قرارات حاسمة وكبيرة كقرار الحرب ، فمنذ تفويض عام 2002 والحرب تدور بمعزل عن قرارات جديدة للكونغرس ، وبالاعتماد على تفويض قديم اعتمد عليها الرؤوساء الامريكان ، وهم بوش واوباما وبايدن وترامب .
الامر الآخر الذي توقف عنده ( كين ) ، هو مالمسه اثناء تولي ابنه الاكبر مهمة قائدا في مشاة البحرية لمدة ثمانية اعوام ، من معاناة وصعوبة ومخاطرة بحياة كل من يشارك في هذه الحروب ، اذ رأى ان ترك الحبل على الغارب ، سيفقد اميركا الكثير من ابنائها ، وان ضرورة مراقبة ومتابعة الحرب ، ضرورة ملحة تضمن التعاون بين قادة الجيش وقادة الكونغرس .
اضافة لهذا ، فان من اهم قرارات هذا الالغاء ، هي ارسال رسائل معنوية ومحتواها هو ان اميركا تريد ان تحول اعدائها الى اصدقاء ، ويرى ان ( اميركا ) لديها من الخصوم الكثير وهم يراقبون مايحدث ، وبالتالي فان الغاء قرار التفويض يمنح اولئك المتابعين ، دراية كاملة عن ان النظام الامريكي يتكيف مع الظروف الجديدة ، وان عدوها السابق اصبح حليفها الاستراتيجي اليوم .
وكان القرار الذي اتخذ ضد تفويض الحرب وتمويل الجيش الأمريكي قد حصل بأغلبية 231 صوتًا مقابل 196 صوتًا. صوّت أربعة جمهوريين ضد مشروع القانون، بينما انضم 17 ديمقراطيًا إلى بقية أعضاء الحزب الجمهوري في التصويت لصالحه .
ويقول المؤيدون، بمن فيهم ما يقرب من 20 عضوًا جمهوريًا في مجلس الشيوخ ، إن إلغاء القانون أمرٌ بالغ الأهمية لمنع أي انتهاكات مستقبلية، وتعزيز مكانة العراق كشريك استراتيجي للولايات المتحدة. بينما يقول المعارضون إن الإلغاء قد يُظهر ضعفًا في ظل استمرار مواجهة الولايات المتحدة للصراع في الشرق الأوسط.
مجلة صوتها تصدر عن منتدى الاعلاميات العراقيات