في قلب مدينة الموصل يقف جامع النوري الكبير شامخًا مرة ثانية، ليعيد بعضاً من روح الموصل المفقودة، وليكون شاهدًا على صمودها في وجه القتل والخراب.
فاليوم يرى الناظر وهو مستغرق في مشهد طالما انتظره، وهو إعادة آثار مدينة الموصل والتي أهمها جامع النوري ومنارته الحدباء، وكنيسة الطاهرة والساعة.

ويأتي ذلك الإنجاز في صدارة الجهود المبذولة لوزارة الثقافة والسياحة والآثار والهيئة العامة للأثار والتراث، بالتعاون مع الحكومة المحلية في نينوى والذي تضمن مبادرة إحياء مدينة الموصل التي تدعمها دولة الامارات العربية المتحدة ومنظمة اليونسكو والجهات الساندة، في إعادة بناء هذا الصرح التاريخي المهم الذي يعد أحد رموز مدينة الموصل والعراق بشكل عام.

وقد شمل المشروع الممتد لخمسة اعوام عدة مراحل هي ترميم المحراب الغربي المعروف بالشافعي والشرقي المعروف بالحنفي والمحراب الوسطي الرئيس فضلا عن إعادة بناء وصيانة 40 عموداً و 20 تاجا وترميم أكثر من 33 قوسا بما يتوافق مع طابعه التاريخي والمعماري مع استخدام أحدث تقنيات البناء لضمان استدامته، فيما شمل المشروع تعزيز البنية التحتية المحيطة بالجامع لتسهيل الوصول إليه وتحسين الخدمات، وشملت مراحل الإعمار ترميم المئذنة الحدباء الشهيرة، وكنيسة الساعة وكنيسة الطاهرة،ضمن خطة ترميم شاملة بدأت في عام 2021، وعلى الطراز القديم، كما كانت على مدى قرون قبل أن تدمر خلال حقبة سيطرة تنظيم داعش وما تبعها من معارك طاحنة في المدينة.

ونستطيع الجزم، بأن اليوم فقط عادت ذات الروحانية العميقة للموصل، وكأن جو الطمأنينة عاد إلى النفوس، بعودة المئذنة الحدباء للجامع التي أضحت الآن تعانق السماء من جديد.

استهدف إعادة ترميم أبرز المعالم الآثارية في الموصل، وبناء المنارة بنسخة مطابقة للأصل بطرق تقليدية وبحجارتها القديمة لضمان الحفاظ على الطابع الآثاري للمعلم التاريخي، فيما حرصت أعمال الترميم على الحفاظ على الميل بالمئذنة تمامًا كما كان في ستينيات القرن الماضي، مع تدعيم الأساسات لتجنب أي تزايد في انحنائها مستقبلا، وهو التحدي الذي واجهته منذ تشييدها في القرن الثاني عشر، تلك المئذنة التي يبلغ عمرها أكثر من 850 عامًا وهي تعود إلى موقعها في قلب المدينة، إذ جرى معظم الترميم باستخدام الطابوق القديم، للحفاظ على الطابع التراثي للواجهة الخارجية، في محاولة لإعادة بناء المئذنة بطريقة تحترم أصالتها التاريخية مع توفير عوامل الاستدامة لها في العقود المقبلة،
فيما شمل المشروع أيضًا ترميم كنيسة الطاهرة وكنيسة سيدة الساعة، إضافة إلى بعض المواقع الآثرية التي كانت قد تضررت بشدة خلال المعارك.

وانضوت عملية إعادة بناء وترميم كنيسة الطاهرة والساعة تحت مشاريع الإعمار التي شملت أعمال ترميم الأروقة المزخرفة، والأعمدة التاريخية، والنوافذ ذات الزجاج الملون وإعادتها كما سابق عهدها والذي هو بمثابة عودة إرثاً تاريخياً مهماً للمدينة، إذ لم يكن المشروع إعادة بناء المعالم الأثرية فقط، بل كان أيضًا إحياء الموصل بكل ما تمثله من تاريخ وثقافة وهوية.
ويذكر أن جامع النوري الكبير، الذي بناه نور الدين زنكي عام 1172، دُمّر بتأريخ يونيو/حزيران 2017، هو ومنارته الحدباء، وكذلك تدمير وتخريب كنيستي الطاهرة وسيدة الساعة، التي يعود تاريخ تدشينها إلى عام 1862، بالإضافة إلى ذلك تم تدمير 124 منزل تراثي، إذ شهدت المدينة القديمة في الموصل تدميرًا هائلًا طال نحو 80% من مبانيها وهذه الجهود تمثل خطوة جوهرية في استعادة الهوية التاريخية لمدينة الموصل وهذا الإنجاز يعكس الإرادة الحقيقية لأهل المدينة في إعادة الحياة إلى معالمها الحضارية.
مجلة صوتها تصدر عن منتدى الاعلاميات العراقيات