التباهي بالماضي والتبجّح الحضاري لدى العرب

عدنان أبوزيد

صقل الإنجاز الحضاري، سلوك الكثير من الشعوب، التي تترفّع عن التفاخر والتباهي، أمام الأمم الأخرى على الرغم من إنجازاتها الحضارية العظيمة، ورقيّ شعوبها في التفكير والسلوك والعمل، بعد أنْ انشغل المواطن فيها تماما عن الجدل والتنظير، بالخلق والابتكار، فلم تعد الغبطات اللغوية، والتباهي بالماضي، تشغله عن نهاره الذي يقضيه سعيدا في العمل، وعن ليله الذي يستمتع به بعيدا عمّا يشغله من سفسطة وتأويلات تنشغل به شعوب تعيش على التخاريف التأريخية، والحضارية، ومنهم العرب، الذين ينغمسون في تفسير الكلام، ونسبة عبقرية الإنسانية الى تأريخهم، وحتى المخترعات الحديثة لم تسلم من ذلك، اذ ينسبونها الى كتبهم، وماضيهم، في وقت يعيشون فيه على ابتكارات الغرب وسلعه ومنتجاته، ويستمدون من ثقافته، لكنهم يصرون في أحلام فكرية، وقياس مركّب من الوهميات، على انهم الأفضل والأحسن، من دون برهان.

وبينما يتقّن العرب ومنهم العراقيون، لسان التبجّح والتفاخر والتباهي، والمباهلات المموّهة، وقد برعوا فيها، ايّما براعة، وزادتها شأوا، تقنيات الفيديو، ووسائل التواصل، حيث التلاعب بالألفاظ وتقويل التأريخ، لطمس الحقائق، ينحسر ذلك كليا في دول الغرب، حيث الفرد فيها مشغول بالإنتاج المادي والفكري الحقيقي المركِّز على تحسين مستوى الحياة.

الذين يعيشون في الغرب، يعرفون كيف تراجع التفاخر بشكل كبير، وتلاشت الدعائيات الفردية والجمعية، بل ان اية محاولة لـ للتباهي يتم تدميرها بوحشية وسخرية، ومن ذلك إنك لن تجد بريطانيا يفخر بالمستعمرات الكثيرة لبلاده، والابتكارات الصناعية التي رفدت بها العالم، حيث قواعد التواضع الإنجليزية تلعب دورا في هذا السلوك.

كما لن تجد ألمانيّا يفخر بالمخترعات والإنتاج، ومساهمة العلماء الالمان في إنجازات العلم، ومن الصعب ان تكتشف هولنديا، يغني نشيدا لتاريخ بلاده ومستعمراتها. وعدا الأناشيد الوطنية للبلاد، انحسرت الأهازيج والقصائد التي تمجّد الزعماء والعِرق، والأمة، والماضي التليد.

بل ان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، نال الكثير من النقد والهجوم، لأنه كان صاخبا متفاخرا بالأمة الامريكية، وأصبح التباهي الذي كرّره أكثر من مرة، مدعاة للتسلية والتهكم. ولربما يجد ترامب في تباهيه بأمته، مبررا على اعتبار ان بلاده هي الأقوى في العالم، اذ غالبا ما يرتبط الكبرياء بالجبروت، لكن ما الدواعي التي تجعل امما ضعيفة ومتأخرة تفخر بنفسها، عبر الماضي المنفصل عن الحاضر. ان تجاوز الشعور بالدونية لن يكون بالافتخار والزعم القائم على خيالات التفوق، او في البحث في الأطلال، بل على الحاضر المتفوق القادر على اثبات الوجود والمنافسة، والرشد في ان تعرف الأجيال تاريخها وثقافتها بالقدر الذي يشكل جذرا وعمقا، من دون اعتبار التاريخ وتراث الأمة حقائق مقدسة لن تطال مثلها الأمم الأخرى.

الكبرياء الفارغ يولد من رحم الافتخار الكاذب والاستدلال القائم على الخداع والمغالطة الذي يوقِع الكثير من الشعوب في شرك الكسل والنرجسية، حين ترى أنفسها عملاقا وهي القزم. أنه وهم الغبطة الحضارية.

الثقة السياسية- عدنان أبو زيد | Azzaman

شاهد أيضاً

نجيب الكسراوي.. ثلاث سنوات في إدارة مهرجان الحمامات وتحويلالذاكرة إلى مشروع للمستقبل

منية كواش 24 أغسطس 2026 تحتاج المهرجانات، بعد أن يسدل الستار على آخر عروضها، إلى لحظة تتجاوزتقييم الأرقام والبرمجة والنجاحات الجماهيرية، للتوقف عند الوجوه التي أثثت هذاالمشهد وتابعت تفاصيله اليومية، في ظروف غالبا ما تكون صعبة وضاغطة. فالمهرجان لا يصنعه الفنّان وحده ، بل يشارك فيه أيضا كلّ من يخطط وينظمويتابع ويواجه ويعمل في الكواليس. ومن هذا المنطلق، يأتي هذا البروفايل، بالتزامن مع اختتام الدورة الستين لمهرجانالحمامات الدولي يوم 13 أوت 2026، كإعتراف بدور مدير مهرجان الحماماتالدولي   ومن معه من «جنود الخفاء» الذين ساهموا في استمرار هذه التظاهرةالعريقة وفي انجاحها.  على امتداد ثلاث دورات، ارتبط اسم نجيب الكسراوي بإدارة مهرجان الحمامات الدولي فسعى الى تقديم تصور مختلف للمهرجان ، تجاوز تنظيم إدارة موسمصيفي بعروض وحفلات ترفيهية متواترة ، من أجل بناء هوية فنية وثقافية متجددةلمؤسسة راكمت ستة عقود من الذاكرة. من التنشيط الثقافي الجهوي إلى إدارة أعرق المؤسسات بالحمامات وصل الكسراوي إلى الحمامات بخبرة سابقة في العمل الثقافي الجهوي. فقدعمل في مجال التنشيط الثقافي وإدارة المؤسسات الثقافية، وأشرف على إدارةالمركب الثقافي بسليانة، قبل أن يتولى خطة المندوب الجهوي للشؤون الثقافيةبالقيروان. وفي القيروان، ارتبط اسمه بإعادة إحياء مهرجان المدينة بعد انقطاع طويل، حيثقدم تصورا يقوم على تنويع البرمجة والانفتاح على الفضاءات العامة وإعطاءمكانة للعروض المحلية. فكسب تجربة وخبرة وأصبحت له رؤية ثقافية ظهرت لاحقافي إدارته لمهرجان الحمامات، مقتنعا بضرورة  إيلاء أهمية كبيرة للجمهور، تنويعالمضامين، تثمين الفنان التونسي والانفتاح على المحيط. هذا وقد تمّ تعيين الكسراوي منذ شهر جوان 2023، مديرا عاما للمركز الثقافيالدولي بالحمامات «دار المتوسط للثقافة والفنون»، فإنتقل من إدارة النشاطالثقافي الجهوي إلى واحدة من أبرز المؤسسات الثقافية والفنية في تونس. مهرجان بهوية ثقافية متنوعة منذ بدايات تجربته في الحمامات، ركز الكسراوي على خصوصية المهرجانوهويته التاريخية، وأولى مكانة للعروض المسرحية والكوريغرافية إضافة إلىالموسيقى.  وفي تقديمه للدورة 58 من مهرجان الحمامات الدولي لسنة 2024، انتصرللمسرح وجعل منه خصوصية من خصوصيات هذا المهرجان العريق منتقيا أفضلالعروض من تونس ومن خارجها ، مؤمنا أن المهرجانات العريقة يجب أن تنوّع  منعروضها وفعالياتها حتى لا تتوقف على السهرات الغنائية الصيفية.   وعند إعداده للدورة 59 لسنة 2025 عبر الكسراوي عن تصوّره الجديد بأكثروضوح، فتحدث عن «سردية فنية متكاملة» وعن مهرجان يمثّل «محطة ثقافيةمهمة للفنان التونسي»، مع انفتاح في الوقت نفسه على المحيط المغاربي والعربيوالإفريقي وعلى ثقافات العالم. فجاءت الدورة 59 حاملة معها 36 عرضا في 33 سهرة، من بينها 18 عرضا تونسيا. فبدا وفيا لتصوره، مركزا على معادلة واضحة: الحفاظ على هوية المهرجان، مع التجديد والتنويع في  فئات الجمهور وفي العروض بالإنفتاح على تجارب فنية مختلفة. الستينية.. من الاحتفال إلى الذاكرة الحية بلغ هذا التصور ذروته في الدورة الستين، التي حملت شعار «ذاكرة تعيش». فقدقدم الكسراوي المهرجان على أنّه “علامة ثقافية تونسية عربية متوسطية» و«رأسمال ثقافي رمزي وطني»، معتبرا أن ستين سنة من تاريخ المهرجان ليست مجردمناسبة للاحتفال بالماضي، بل فرصة أيضا للتطلّع للمستقبل.  …

error: Content is protected !!