منية كواش
عادت الفنانة اللبنانية “اليسا” الى مهرجان قرطاج الدولي في دورته الستين بعد غياب، دام سبعة عشر عاما ونجحت في حسم الرهان الجماهيري بنفاد التذاكر وبتحقيق حضور جماهيري قياسي، فاق طاقة الاستيعاب. فأثبتت أن سنين الغياب لم تؤثر في جمهورها التونسي وأنّه ظل متابعا وفيا لأغانيها.
وبما أنّ لكل حصان كبوة، وقعت اليسا في زلة اتصالية فادحة وتسببت في جدل واسع وانقسام في صفوف التونسيين، لما رمى إليها أحد المتفرجين بالكوفية الفلسطينية ولم تضعها على كتفيها بل أعادتها له بسرعة، دون أدنى كلمة.
فاعتبر أغلب التونسيين تصرفها تصرفا غير ذكي وغير مدروس، أغضب البعض لما للكوفية الفلسطينية من دلالات تتجاوز حدود الفعل عند التونسي فهي رمز سياسي ودليل عن هويتة التونسية القومية والعربية كما التمس البعض الآخر وهم قلّة قليلة لها الأعذار مفسرين موقفها بالعفوي والغير المقصود.
اشتياق متبادل
استهلّت الفنانة اليسا حفلها بمهرجان قرطاج الدولي على أصوات الجماهير وهي تهتف باسمها مرحّبة بها بالتصفيق والغناء والأضواء فانبهرت اليسا بما شاهدته من حفاوة، وعبّرت لهم عن فرحتها بصعودها على مسرح قرطاج العريق قائلة “أحلى رجعة لتونس بوجودكم”، “توحشتكم برشا”، مستطردة أن لمهرجان قرطاج وقعا خاصا على قلبها مما أحدث داخلها رهبة كبيرة، لم تشعر بها بمسارح أخرى.
فقد برهن حفلها على عودتها المرغوب فيها إذ غصّت المدارج وتراصت بحشود غفيرة، من النساء والرجال ومن جميع الأعمار وخاصة الشباب فقد حضروا بكثافة وردّدوا معها في انسجام تام أغانيها القديمة والجديدة وتمايلوا ورقصوا على إيقاع ألحانها، الأطفال واليافعين أيضا كانوا حاضرين فهذه طفلة العشر سنوات تشارك اليسا الغناء وتتفاعل معها بملامحها وحركاتها فقد نجحت اليسا نقلت لها مشاعرها.
وقدّمت اليسا لجمهورها بتونس مجموعة من أغانيها، انتقتها بنفسها، فربطت بين بداياتها وجديدها وغنّت “تصدق بمين” و”أسعد واحدة”، و”سهرنا يا ليل”. كما شدّت انتباههم بأغنيتها الجديدة “لعبة الأيام” وأطربتهم بأدائها لأغنية “نسّم علينا الهوى” مستحضرة السيدة فيروز، القامة الفنية اللبنانية والعربية الثابتة.
وكان جمهورها متواطئا معها ولم يخذلها فردّد معها كلّ أغانيها وبدا متمكنا من كلماتها التي حرّكت مشاعره وأثارت ذكرياته.
اليسا وعليسة إسم واحد لملكة أسطورية
تواصلت اليسا مع جمهورها التونسي وحاورته بعفوية وغازلته لتقترب منه وتشد انتباهه فذكّرته بالروابط التاريخية والتقارب الحضاري بين لبنان وتونس منذ الحقبة الفينيقية والقرطاجية. وأسرّت له بافتخارها باسمها الذي يرادف إسم “عليسة”، الأسطورة التاريخية التي أسّست قرطاج بعد أن غادرت مدينة صور اللبنانية لتستقرّ بالبلاد التونسية.
حضر حفلها أيضا سفير لبنان في تونس “ميلاد نمور”، وتفاعل معها، مقبّلا يدها ومعبّرا لها عن فرحته بلقائها، وعن اعتزازه بانتمائهما الى نفس البلدة بدير الأحمر من جبل لبنان.
تفاعل استثنائي وتعاطف دائم
يبدو أن اليسا ثأرت لغيابها فاستعدّت لحفلها أحسن استعداد فأكّدت للجميع أن صوتها لا يزال قويا وأنّ حضورها لا يزال مؤثرا وأن سنوات الغياب لم تؤت أكلها ولم تخلق فجوة بينها وبين جمهورها فجاء حفلها على مسرح قرطاج الأثري شاهدا على علاقتهما الاستثنائية وأبرز انسجام وتماه لم نر مثله في حفلات الدورة ستين لمهرجان قرطاج الدولي.
ولم يكن هذا التجاوب الكبير وليد الصدفة بل جاء نتيجة علاقة قديمة ربطت اليسا بجمهورها التونسي منذ بداياتها، فما انفكّت تغذّيه بكلمات أغانيها الرومنسية وتنقل له مع كل أغنية جديدة أحاسيسها وعاطفتها ليعيشها معها بجوارحه، وقلبه، معتقدا أنها تغني عنه وتصف مشاعره بما تتناوله من قصص حب ووجع إنساني.
لقد كسبت اليسا جمهورا تونسيا ثابتا ووفيا بعفويتها وجرأتها وبصدق مشاعرها، فأصبح عاشقا للونها وذوقها الفني، منبهرا بمظهرها، ومنجذبا الى حضورها.
رافقها أيضا في محنها ووجعها وتعاطف معها لذلك غنّت له لتشكره على تعاطفه أغنيتها “الى كل اللي بيحبوني” وأرادت طمأنته فأخبرته بأنها تواصل طريقها بثبات وأن الحياة بالنسبة لها هي مزيج من حلو ومرّ.
أناقة كلاسيكية وجرأة عصرية
كما خطفت اليسا الأنظار بإطلالتها الرقية واختارت لسهرتها على مسرح قرطاج الأثري فستانا عاجيا براقا وطويلا، جمع بين الفخامة والنعومة وبتصميم أبرز أنوثتها بقصته المبتكرة وبفتحة ساق جريئة.
أضافت له اليسا قطع مجوهرات صغيرة جدا، تكاد لا ترى حتى تترك المجال للمشاهد ليركّز أكثر على الفستان. اختارت أيضا تسريحة شعر مموّجة، منسدلة على كتفيها و”ماكياج” ترابي دافئ، أبرز ملامحها فجمعت بين الأناقة الكلاسيكية والجرأة العصرية وتركت انطباعا إيجابيا.
زلّة اتصالية
هذا وقد تسبّبت اليسا في حفلها بمسرح قرطاج الأثري في جدل واسع وانقسام في صفوف التونسيين لما ألقى لها أحد المتفرجين بالكوفية الفلسطينية، محاولا جسّ نبضها والتأكّد من مواقفها السياسية ومن التزامها بالقضايا العادلة فالفن عادة التزام أو لا يكون لكنها لم تبادر بارتداء الكوفية واكتفت بإعادتها لصاحبها دون أدنى كلمة تعبّر بها عن تضامنها للقضية الفلسطينية.
مما أدّى إلى استياء أغلب التونسيين واستنكارهم لتصرفها ورأوا فيه تعدّيا عن الرمزية التاريخية والتضامنية الفلسطينية للكوفية الفلسطينية بالنسبة للتونسي فهي تعني له الكثير وتعوّد على التعبير من خلالها عن انتمائه وايمانه بعدالة القضية الفلسطينية.
كما دافع عنها البعض من محبّيها وأوعزوا تصرفها الى عفويتها وحسن نيتها وبرروا موقفها بأنها أرادت فقط أن تمزح مع من رماها بالكوفية. ولم يروا في موقفها مسّا من رمزية الكوفية.
ويعدّ عدم تفاعل اليسا مع الرسالة التي أرسلها لها هذا المتفرج لما ألقى لها بالكوفية الفلسطينية خطأ اتصاليا وتصرفا غير مدروس، ناتج عن عدم دراية بمرجعية وحساسية أغلب التونسيين. كما اختارت اليسا أيضا الصمت ولم تصدر اعتذارا او توضيحا مما أدى الى سوء فهم وانتشار للفرضيات والشائعات.
فيبدو أن اليسا ركزت على إنجاح حفلها فنيا وجماهيريا ولم تولي أهمية كبيرة للناحية الإتصالية فلم تعتمد إستراتيجية اتصالية ذكية.
نجاح فني وجماهيري
لقد بات واضحا النجاح الفني والجماهيري لحفل اليسا خلال الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي إذ استقطب حفلها حضورا جماهيريا استثنائيا، فاق المتوقع وتجاوز طاقة الاستيعاب.
واكتشفت اليسا ما يكنّه لها الجمهور التونسي من محبة ووفاء فرغم غيابها الطويل بقيت في نظره ملكة الإحساس التي تغني عنه وله. وتعبر عن أحاسيسه بأغانيها عن الحب والألم.
فهل سيشفع لها رصيدها العاطفي ويمسح زلتها الاتصالية أم أن الجدل المتراكم حول الكوفية الفلسطينية سيؤدي تدريجيا الى تآكل هذا الرصيد.

مجلة صوتها تصدر عن منتدى الاعلاميات العراقيات