م.م نور نبيه جميل/ تدريسية في كلية العلوم السياسية
المقدمة:
تُعدّ ظاهرة الحرب من أكثر موضوعات العلاقات الدولية استعصاءً على الاختزال التفسيري، إذ تتقاطع في إنتاجها وتفسيرها مستويات متعددة من التحليل، تمتد من الإدراك القيادي إلى بنية النظام الدولي، مرورًا بالمتغيرات الاقتصادية التي غالبًا ما أُسيء تقدير موقعها بين الحتمية والتبعية. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة موضعة العامل الاقتصادي ضمن إطار تحليلي يتجاوز الثنائيات التقليدية التي تفصل بين “الأمن” و“الاقتصاد”، أو تُخضع أحدهما للآخر. فالحروب المعاصرة لا يمكن فهمها بوصفها نتاجًا لاعتبارات أمنية صِرفة، كما لا يمكن ردّها إلى منطق الربح المادي أو ديناميات السوق وحدها؛ بل هي حصيلة تفاعل جدلي مركّب تتداخل فيه عمليات التراكم الرأسمالي مع إدراكات التهديد، وتُعاد صياغته ضمن بنى القوة في النظام الدولي.
في ضوء ذلك، فإن التحول البنيوي في الإنفاق العسكري العالمي يعكس الآتي؛ إذ تشير المعطيات الكمية الصادرة عن Stockholm International Peace Research Institute إلى أن النظام الدولي يشهد تحولًا نوعيًا في طبيعة الإنفاق العسكري، إذ لم يعد هذا الإنفاق استجابة ظرفية لأزمات طارئة، بل أصبح نمطًا بنيويًا مستدامًا. فقد بلغ حجم الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.44 تريليون دولار عام 2023، ليرتفع إلى 2.72 تريليون دولار في 2024، ويواصل تصاعده ليقارب 2.89 تريليون دولار في 2025. والأهم من ذلك أن هذا الإنفاق لم يعد محصورًا في قوى كبرى، بل شمل أكثر من مئة دولة قامت بزيادة موازناتها الدفاعية، في مؤشر واضح على تعميم منطق العسكرة داخل الاقتصاد العالمي. وبهذا المعنى، لا تعكس هذه الأرقام مجرد تضخم مالي، بل تكشف عن تحول أعمق نحو ما يمكن تسميته بـ “الاقتصاد المُعَسْكَر”، حيث تتداخل أولويات الأمن مع بنية التراكم الاقتصادي على نحو يصعب فصلهما تحليليًا. وفق هذه الرؤية، سنقسم الورقة على النحو الآتي:
المحور الأول: من فائض القيمة إلى فائض القوة — إعادة التفكير في العلاقة بين التراكم والحرب
تستند المقاربات التقليدية في تفسير الحروب إلى ثنائية مألوفة تفصل بين الاعتبارات الأمنية بوصفها محركًا رئيسيًا للصراع، وبين الاعتبارات الاقتصادية بوصفها عوامل ثانوية أو تابعة. غير أن هذه الثنائية، على بساطتها التحليلية، تعجز عن استيعاب التحولات البنيوية التي شهدها النظام الدولي، إذ لم يعد من الممكن فصل الاقتصاد عن الأمن، ولا التراكم عن القوة. في هذا السياق، تبرز مقاربة “ديناميات التراكم والصراع” بوصفها محاولة لإعادة تركيب العلاقة بين هذين البعدين ضمن إطار جدلي يتجاوز الحتمية الاقتصادية من جهة، والاختزال الأمني من جهة أخرى.
يُعدّ كارل ماركس نقطة انطلاق لا غنى عنها في هذا النقاش، إذ ربط التراكم الرأسمالي بعملية مستمرة من توسيع فائض القيمة. غير أن إسقاط هذا التحليل على الحروب يتطلب حذرًا منهجيًا، لأن الحرب ليست مجرد امتداد مباشر لمنطق السوق. فالتطوير الذي قدمه إيمانويل والرشتاين ضمن نظرية النظام العالمي يُظهر أن التراكم يتموضع داخل بنية هرمية دولية، حيث تسعى الدول المركزية إلى الحفاظ على مواقعها عبر أدوات اقتصادية وسياسية وعسكرية متداخلة. هنا، لا يكون التراكم سببًا مباشرًا للحرب، بل جزءًا من بنية أوسع تُعيد إنتاج عدم المساواة والصراع.
غير أن هذا المنظور، على أهميته، لا يكتمل دون إدماج الواقعية البنيوية كما صاغها كينيث والتز، والتي تضع البقاء والأمن في قلب التحليل. فالدول، في نظام دولي فوضوي، لا تسعى إلى التراكم من أجل الربح فحسب، بل من أجل تعظيم قدرتها على البقاء. ومن هنا، يتحول التراكم الاقتصادي إلى مورد استراتيجي يُعاد توظيفه في بناء القوة العسكرية. هذا التداخل بين الاقتصاد والأمن يولّد ما يمكن تسميته بـ “تحويل الفائض إلى قدرة”، إذ يصبح النمو الاقتصادي قاعدة لإنتاج التفوق العسكري، الذي بدوره يعيد تشكيل شروط التراكم.
في المقابل، تقدم الليبرالية المؤسسية، ولا سيما عند روبرت كيوهن، طرحًا يفيد بأن الاعتماد الاقتصادي المتبادل يُقلل من احتمالات الحرب. غير أن التجارب المعاصرة تكشف مفارقة لافتة؛ فبدل أن يكون الاعتماد المتبادل عاملًا كابحًا للصراع، قد يتحول إلى أداة ضغط جيو-اقتصادي، إذ تستخدم الدول روابط الطاقة والتجارة كسلاح غير تقليدي. وهنا، يتبدى الاقتصاد ليس كبديل للحرب، بل كامتداد لها بوسائل أخرى. بناءً على ذلك، يمكن إعادة صياغة العلاقة بين التراكم والصراع ضمن ثلاث لحظات تحليلية مترابطة:
أولًا، مرحلة ما قبل الحرب، إذ يُعاد توزيع التراكم ضمن بنية غير متكافئة تخلق توترات كامنة.
ثانيًا، مرحلة اندلاع الحرب، حيث تتفوق الاعتبارات الأمنية، لكن ضمن شروط شكّلها الاقتصاد مسبقًا.
ثالثًا، مرحلة استدامة الحرب، إذ يُعاد توجيه التراكم لخدمة الصراع، فيتحول إلى اقتصاد حرب مكتمل الأركان.
بهذا المعنى، لا يكون الاقتصاد سببًا مباشرًا للحرب، بل شرطًا بنيويًا يجعلها ممكنة، ويجعل استمرارها أكثر احتمالًا.
على صعيد الصناعات الدفاعية، تُظهر البيانات أن إيرادات أكبر مئة شركة سلاح في العالم بلغت نحو 632 مليار دولار عام 2023، لترتفع إلى قرابة 679 مليار دولار في 2024، مع هيمنة واضحة للشركات الأمريكية التي تستحوذ على ما يقارب نصف هذا السوق. غير أن هذه الأرقام، رغم ضخامتها، لا ينبغي قراءتها بوصفها دليلًا قاطعًا على أن الحرب مشروع ربحي خالص، إذ تشير تقارير متعددة إلى أن العديد من هذه الشركات واجهت تحديات مرتبطة بارتفاع كلفة الإنتاج، وتعقيد سلاسل التوريد، وتأخر تنفيذ العقود. ومن ثم، فإن الحرب تخلق تدفقات مالية ضخمة، لكنها لا تضمن بالضرورة أرباحًا مستقرة، وهو ما يفرض تمييزًا تحليليًا بين “توسّع السوق” و”تحقيق الربحية”، ويقوّض الأطروحات التي تختزل الحرب في كونها مجرد أداة لتحقيق المكاسب الاقتصادية.
المحور الثاني: الحرب الروسية–الأوكرانية وإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للصراع
تمثل الحرب الروسية–الأوكرانية حالة اختبار مهمة لفرضية التراكم والصراع، لأنها تكشف بوضوح حدود التفسير الاقتصادي المباشر، وفي الوقت ذاته تؤكد الحضور العميق للعامل الاقتصادي في تشكيل مسار الحرب. وقبل اندلاع الحرب، كانت العلاقة بين روسيا وأوروبا قائمة على اعتماد متبادل في مجال الطاقة، إذ شكّل الغاز الروسي عنصرًا حيويًا في منظومة الطاقة الأوروبية. وبهذا السياق، لم يكن الاقتصاد عامل استقرار فقط، بل كان أيضًا أداة نفوذ جيوسياسي بيد روسيا. أما أوكرانيا، فقد مثّلت موقعًا استراتيجيًا في شبكة نقل الطاقة، فضلًا عن كونها أحد أهم المنتجين الزراعيين، ما جعلها عقدة جيو-اقتصادية ذات أهمية تتجاوز حدودها الوطنية.
مع ذلك، فإن اندلاع الحرب لا يمكن تفسيره بمنطق اقتصادي صرف، إذ تشير الكلفة الاقتصادية الهائلة التي تكبدتها روسيا نتيجة العقوبات إلى أن القرار كان مدفوعًا أساسًا باعتبارات أمنية واستراتيجية. لكن هذا لا يعني غياب العامل الاقتصادي، بل يعني أنه كان يعمل في مستوى أعمق، بوصفه محددًا لبنية الصراع وليس محفزًا مباشرًا له.
تقدم الحرب الروسية–الأوكرانية مثالًا واضحًا على كيفية تحول الاقتصاد إلى أداة تعبئة كلية في سياق الحرب. فقد ارتفع الإنفاق العسكري لروسيا إلى نحو 149 مليار دولار، وهو ما يمثل أكثر من 7% من ناتجها المحلي، في حين خصصت أوكرانيا ما يقارب 34% من ناتجها للإنفاق العسكري، وهو أعلى مستوى عالمي. كما تلقت أوكرانيا دعمًا عسكريًا خارجيًا يُقدّر بعشرات المليارات سنويًا، ما يعكس انخراطًا دوليًا واسعًا في تمويل الصراع. وتدل هذه المؤشرات على أن الحرب لم تُنتج فقط كلفة اقتصادية، بل أعادت توجيه الاقتصاد الوطني نحو نمط تعبوي، حيث تتقدم الأولويات العسكرية على حساب القطاعات المدنية، في تحول يعكس اندماج الاقتصاد داخل منطق الحرب بدل بقائه خارجها.
ومع تطور الحرب، برزت بوضوح ديناميات “إعادة إنتاج التراكم”. فقد أدت الحرب إلى إعادة هيكلة أسواق الطاقة الأوروبية، وتسريع الانتقال نحو مصادر بديلة، وهو ما غيّر من خريطة التراكم العالمي في قطاع الطاقة. كما شهدت الصناعات الدفاعية في الغرب نموًا ملحوظًا نتيجة زيادة الطلب على الأسلحة والمعدات العسكرية، في حين اتجهت روسيا إلى إعادة توجيه اقتصادها نحو نمط أكثر انغلاقًا واعتمادًا على الذات، مع تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع قوى آسيوية.
في هذا السياق، تتحول الحرب إلى عملية مزدوجة؛ فهي من جهة تُدمّر البنى الاقتصادية القائمة، ومن جهة أخرى تخلق فرصًا لإعادة بناء التراكم ضمن ترتيبات جديدة. وهذا ما يجعل الحرب، ليست فقط حالة استنزاف، بل أيضًا لحظة إعادة تشكيل للنظام الاقتصادي الدولي.
المحور الثالث: التفاعل الإيراني–الإسرائيلي وتكريس اقتصاد “اللاحرب” وتداعياته النظامية
على خلاف الحالة الأوكرانية، يقدم التفاعل بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكيان الإسرائيلي نموذجًا مختلفًا، إذ لا تنفجر الحرب الشاملة رغم استمرار التوتر وتصاعده ضمن نطاق واسع. هذا النمط من الصراع، الذي يمكن وصفه بـ “اقتصاد اللاحرب”، يقوم على استدامة التوتر عند مستوى منخفض نسبيًا، بما يسمح بتفعيل ديناميات التراكم دون تحمل كلفة الحرب الكاملة.
في حالة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أدت العقوبات الاقتصادية إلى إعادة تشكيل بنية الاقتصاد باتجاه الاعتماد على الذات، خصوصًا في المجال العسكري. فبدلًا من أن تؤدي الضغوط الاقتصادية إلى إضعاف القدرة الاستراتيجية، ساهمت في تحفيز تطوير صناعات دفاعية محلية، ما يعكس قدرة النظام على تحويل القيود إلى موارد. أما الكيان الإسرائيلي، فقد نجح في استثمار التهديدات الأمنية المستمرة لتطوير قطاع تكنولوجي–عسكري متقدم، وتحويله إلى مصدر مهم للتصدير وتثبيت النفوذ والقوة.
في هذا الإطار، تلعب الولايات المتحدة الأمريكية دورًا محوريًا في ربط البعدين الأمني والاقتصادي، من خلال دعم حلفائها وتعزيز شبكات التحالف التي تقوم على تبادل الحماية مقابل الارتباط الاقتصادي. وهكذا، يتحول الصراع إلى منظومة معقدة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية، دون أن تصل إلى نقطة الانفجار الشامل.
أما على مستوى النظام الدولي، فإن هذا النمط من الصراعات يفضي إلى مجموعة من التداعيات المهمة. فهو من جهة يعزز منطق التعددية القطبية المحدودة، إذ تتشكل شبكات تحالف مرنة بدلًا من كتل صلبة، ومن جهة أخرى يؤدي إلى تسليع الأمن، بحيث يصبح إنتاجه وتوزيعه جزءًا من السوق الدولية. وفي هذا السياق، يمكن الحديث عن مكاسب لبعض الفاعلين، مثل الدول المنتجة للسلاح أو القوى القادرة على استغلال تقلبات الطاقة، غير أن هذه المكاسب تبقى نسبية ومؤقتة، لأنها تأتي على حساب استقرار النظام الدولي ككل.
الخاتمة
تكشف المقارنة بين الحالتين أن العلاقة بين التراكم والصراع ليست علاقة سببية بسيطة، بل هي علاقة جدلية متعددة المستويات. ففي حين يظهر العامل الاقتصادي في بعض الحالات بوصفه عنصرًا بنيويًا يعيد تشكيل مسار الحرب، فإنه في حالات أخرى يعمل كآلية لاستدامة الصراع دون أن يؤدي إلى اندلاعه. ومن ثم، فإن المقاربة النقدية لا تهدف إلى إثبات أن الاقتصاد هو السبب الوحيد للحرب، بل إلى إظهار كيف يتداخل مع متغيرات أخرى لإنتاج ظاهرة معقدة لا يمكن اختزالها في بعد واحد.
وعليه، يمكن القول إن الحرب في النظام الدولي المعاصر لم تعد مجرد صراع على الأمن أو الموارد، بل أصبحت جزءًا من منظومة أوسع لإعادة إنتاج التراكم، حيث يتقاطع الاقتصادي مع السياسي والأمني في بنية يصعب تفكيكها. وهذا ما يجعل فهم ديناميات التراكم شرطًا ضروريًا لفهم منطق الحرب، دون أن يكون تفسيرًا كافيًا لها.
مجلة صوتها تصدر عن منتدى الاعلاميات العراقيات