التراكم المفقود

الدكتور منتصر الحسناوي

اعتدنا مع كل مرحلة سياسية جديدة أن نحمّل من غادر المشهد حصيلة ما جرى فيها وما سبقها، حتى يبدو تاريخ الدولة مختصراً باسم رئيس وزراء أو وزير أو مسؤول جلس في موقعه سنوات محدودة، ثم يغادر محاطاً بسيل من الاتهامات، حتى يبدو كل ما أنجزه وكأنه لم يكن.
ويأتي من بعده محمولاً على موجة جديدة من الآمال قبل أن تدور الدائرة نفسها، وكأن كل أمة سياسية تلعن سابقتها، وكل قادم يبدأ عهده بإدانة من سبقه، ثم ينتهي إلى المصير ذاته.
تكررت هذه الصورة مع رؤساء الحكومات والوزراء والقيادات العليا، حتى ترسخت قناعة عامة تبحث عن الخلل في الأشخاص أكثر مما تنظر إلى طبيعة النظام الذي يعملون داخله.
فالدولة في أصلها بناء متراكم تضيف فيه كل حكومة إلى ما أنجزته سابقتها وتحفظ المؤسسة خبرتها ومشاريعها مهما تغيرت الحكومات. فالحكومة مرحلة ضمن عمر الدولة، أما المؤسسة فهي الذاكرة التي تحفظ اتجاهها.

هذه الحلقة ما زالت ضعيفة في التجربة العراقية، فالتغيير السياسي كثيراً ما يصاحبه تغيير في الأولويات والقيادات ومسارات التنفيذ، فتستهلك كل مرحلة جزءاً كبيراً من وقتها في إعادة ترتيب ما سبقها وتضيع معها خبرات تراكمت بصعوبة، ويصبح المشروع مرتبطاً بمن تبناه أكثر من ارتباطه بحاجة الدولة ومن هنا يولد “التراكم المفقود” فتكون الاجتهادات شخصية، مشاريع تتباطأ، وخطط تستبدل، وإدارات تُزاح، وملفات تعود إلى نقطة البداية مع كل تغيير، حتى يتحول الإنجاز إلى مادة للصراع السياسي بدلاً من أن يكون رصيداً وطنياً يُبنى عليه.

المحاصصة السياسية من أهم أسباب تكريس هذه الحالة بعدما تجاوزت توزيع المسؤوليات إلى التأثير في بنية الإدارة نفسها، فأصبحت مواقع كثيرة جزءاً من التوازنات السياسية، واستقر المسؤول الوظيفي رهناً بعلاقات القوة أكثر من ارتباطه بالكفاءة والأداء، ومع مرور الوقت تحول ذلك إلى عرف تنفيذي يعاد معه فتح ملفات الدرجات الخاصة والوكالات والتكليفات مع كل دورة سياسية.
ومع إن الحكومة السابقة اتخذت خطوة مهمة في تثبيت عدد كبير من شاغلي الدرجات الخاصة وإنهاء حالة التكليف الطويلة بهدف الاستقرار الإداري، لكنها بقيت محكومة ببيئة أوسع ترتبط بضغوط التوافقات السياسية.

ويظهر التراكم المفقود بصورة أشد خطورة في إدارة المنظومة الأمنية، فقد راكم العراق خبرات كبيرة في مواجهة الإرهاب وحماية المدن والحدود وملاحقة الجريمة المنظمة، إلا أن تحويل هذه الخبرة إلى عقيدة أمنية مستقرة يحتاج إلى تخطيط مستمر، وتكامل بين المؤسسات، ووحدة في مرجعية القرار، بعيداً عن تعدد مراكز التأثير.
ويمتد هذا التعقيد إلى القرار السياسي نفسه، حتى يصبح الوصول إلى القرار رحلة طويلة من التوافقات.
وهنا تظهر إحدى مفارقات النظام فسلطة المشاركة في القرار موزعة بين أطراف عديدة، بينما تتركز تبعاته أمام المجتمع والعالم في الحكومة ورئيسها، وهو ما يجعل بناء سياسات مستقرة في الأمن والاقتصاد والعلاقات الخارجية أكثر تعقيداً مع كل تغيير سياسي.

أما الفساد، فقد تجاوز منذ سنوات طويلة حدود المخالفات الفردية، ليصبح في بعض مفاصله شبكة منظمة تمتد بين السياسة والإدارة التي تمتلك القدرة على حماية نفسها وإعادة إنتاج نفوذها مع تغير الحكومات.
ولذلك لا يكفي تغيير الأشخاص لمواجهته، لأن جماعات المصالح تبقى أكثر استقراراً من عمر الحكومات نفسها وتحتاج مواجهتها إلى إرادة سياسية وتشريعية وقضائية متواصلة تتجاوز عمر دورة انتخابية واحدة.

وفي داخل هذا الواقع يجد كثير من المسؤولين أنفسهم أمام معادلة شديدة التعقيد، فالحركة لإنجاز المشاريع تمر غالباً عبر منظومة مثقلة بالأعراف والضغوط والمحاصصات وشبكات المصالح، فيما يقود التوقف عن اتخاذ القرار إلى تعطيل المؤسسات وتأخير مصالح الناس، وهكذا يقف بعضهم بين “فساد الحركة” و“فساد السكون”، بينما يبقى المجتمع هو من يدفع ثمن الخيارين معاً.

ويزداد هذا المشهد تعقيداً لأن رئيس مجلس الوزراء يمثل في الوعي العام الدولة التنفيذية بأكملها، فتلتقي عند اسمه مطالب الناس وإخفاقات المؤسسات، مع أن صناعة القرار موزعة بين قوى متعددة ولهذا تبدو مفارقة النظام العراقي واضحة: المسؤولية موزعة عند اتخاذ القرار، ومركزة عند توزيع اللوم.
أما المجتمع فيحكم على الدولة من خلال أثرها المباشر في حياته اليومية، ثم تأتي وسائل التواصل الاجتماعي لتختزل هذا التعقيد في شعارات ومقاطع قصيرة، فتتحول القضايا الكبرى إلى مواجهة بين مؤيد وخصم، ويصبح الاتهام أكثر انتشاراً من التحليل والشخصنة أكثر حضوراً من قراءة السياسات.
ومن هنا تنمو “ثقافة الإلغاء” المؤدلجة، فتغيب الإنجازات عن الذاكرة المؤقتة ويعاد تفسير كل خطوة ضمن سردية سياسية مسبقة، حتى تتحول ملفات الأمن والسيادة والفساد إلى أدوات في المنافسة الإعلامية أكثر من كونها قضايا وطنية.
وبهذه الطريقة يفقد النقاش السياسي توازنه، ويتحول الإنجاز إلى مادة للصراع ويصبح الاعتراف به خسارة للطرف المقابل وتدخل الدولة نفسها في عملية إلغاء متبادل، فتسعى كل مرحلة إلى تقليل قيمة ما سبقها، بينما يضيع الامتداد الطبيعي للمشاريع والسياسات بين الحكومات، مع أنه يمثل المعنى الحقيقي للدولة.
إن المشروع الذي يبدأ في عهد حكومة ويكتمل في عهد أخرى يثبت “نضج المؤسسة” أكثر مما يثبت نجاح حكومة بعينها،
وينطبق ذلك على الأمن ومكافحة الفساد والاقتصاد والعلاقات الخارجية لأن نتائجها تحتاج إلى سنوات وتتجاوز بطبيعتها عمر أي حكومة.

ولهذا تبدو التكاملية السياسية ضرورة لبناء الدولة، فالتداول يجدد الحكومات، أما التكامل فيحفظ المؤسسات.
واقع العراق يحتاج إلى خطط وطنية ممتدة وإدارة مستقرة وفق الكفاءة وذاكرة مؤسسية تحفظ الخبرة ومسارات عليا تحمي القرار من التقلبات إلى جانب خطاب سياسي وإعلامي يميز بين النقد المسؤول وثقافة الإلغاء، ويقيس الحكومات بما أضافته إلى ما ورثته لا بما ورثته وحده.
وعندما يترسخ هذا الوعي، يتحرر رئيس الوزراء من صورة المخلّص الذي يُنتظر منه حل كل شيء ومن صورة المتهم الذي يحمل وحده تاريخ الدولة ويعود إلى موقعه الطبيعي كمسؤولٍ عن مرحلة ضمن مسار أطول.
عندها يصبح التقييم أكثر عدالة وتتعلم الحكومات من بعضها وتتحول الدولة من ساحة تبدأ كل مرة من الصفر إلى مشروع يتقدم بتراكم الخبرة والمؤسسات، لأن أثمن ما تملكه الدول ليس تعاقب حكوماتها، بقدر قدرتها على أن تتراكم.
أما حين تفقد هذا التراكم، فإنها تبدأ كل مرة من جديد وتبقى تبحث عن تراكمها المفقود.

https://www.almowatennews.net/مقالات/التراكم-المفقود

شاهد أيضاً

نجيب الكسراوي.. ثلاث سنوات في إدارة مهرجان الحمامات وتحويلالذاكرة إلى مشروع للمستقبل

منية كواش 24 أغسطس 2026 تحتاج المهرجانات، بعد أن يسدل الستار على آخر عروضها، إلى لحظة تتجاوزتقييم الأرقام والبرمجة والنجاحات الجماهيرية، للتوقف عند الوجوه التي أثثت هذاالمشهد وتابعت تفاصيله اليومية، في ظروف غالبا ما تكون صعبة وضاغطة. فالمهرجان لا يصنعه الفنّان وحده ، بل يشارك فيه أيضا كلّ من يخطط وينظمويتابع ويواجه ويعمل في الكواليس. ومن هذا المنطلق، يأتي هذا البروفايل، بالتزامن مع اختتام الدورة الستين لمهرجانالحمامات الدولي يوم 13 أوت 2026، كإعتراف بدور مدير مهرجان الحماماتالدولي   ومن معه من «جنود الخفاء» الذين ساهموا في استمرار هذه التظاهرةالعريقة وفي انجاحها.  على امتداد ثلاث دورات، ارتبط اسم نجيب الكسراوي بإدارة مهرجان الحمامات الدولي فسعى الى تقديم تصور مختلف للمهرجان ، تجاوز تنظيم إدارة موسمصيفي بعروض وحفلات ترفيهية متواترة ، من أجل بناء هوية فنية وثقافية متجددةلمؤسسة راكمت ستة عقود من الذاكرة. من التنشيط الثقافي الجهوي إلى إدارة أعرق المؤسسات بالحمامات وصل الكسراوي إلى الحمامات بخبرة سابقة في العمل الثقافي الجهوي. فقدعمل في مجال التنشيط الثقافي وإدارة المؤسسات الثقافية، وأشرف على إدارةالمركب الثقافي بسليانة، قبل أن يتولى خطة المندوب الجهوي للشؤون الثقافيةبالقيروان. وفي القيروان، ارتبط اسمه بإعادة إحياء مهرجان المدينة بعد انقطاع طويل، حيثقدم تصورا يقوم على تنويع البرمجة والانفتاح على الفضاءات العامة وإعطاءمكانة للعروض المحلية. فكسب تجربة وخبرة وأصبحت له رؤية ثقافية ظهرت لاحقافي إدارته لمهرجان الحمامات، مقتنعا بضرورة  إيلاء أهمية كبيرة للجمهور، تنويعالمضامين، تثمين الفنان التونسي والانفتاح على المحيط. هذا وقد تمّ تعيين الكسراوي منذ شهر جوان 2023، مديرا عاما للمركز الثقافيالدولي بالحمامات «دار المتوسط للثقافة والفنون»، فإنتقل من إدارة النشاطالثقافي الجهوي إلى واحدة من أبرز المؤسسات الثقافية والفنية في تونس. مهرجان بهوية ثقافية متنوعة منذ بدايات تجربته في الحمامات، ركز الكسراوي على خصوصية المهرجانوهويته التاريخية، وأولى مكانة للعروض المسرحية والكوريغرافية إضافة إلىالموسيقى.  وفي تقديمه للدورة 58 من مهرجان الحمامات الدولي لسنة 2024، انتصرللمسرح وجعل منه خصوصية من خصوصيات هذا المهرجان العريق منتقيا أفضلالعروض من تونس ومن خارجها ، مؤمنا أن المهرجانات العريقة يجب أن تنوّع  منعروضها وفعالياتها حتى لا تتوقف على السهرات الغنائية الصيفية.   وعند إعداده للدورة 59 لسنة 2025 عبر الكسراوي عن تصوّره الجديد بأكثروضوح، فتحدث عن «سردية فنية متكاملة» وعن مهرجان يمثّل «محطة ثقافيةمهمة للفنان التونسي»، مع انفتاح في الوقت نفسه على المحيط المغاربي والعربيوالإفريقي وعلى ثقافات العالم. فجاءت الدورة 59 حاملة معها 36 عرضا في 33 سهرة، من بينها 18 عرضا تونسيا. فبدا وفيا لتصوره، مركزا على معادلة واضحة: الحفاظ على هوية المهرجان، مع التجديد والتنويع في  فئات الجمهور وفي العروض بالإنفتاح على تجارب فنية مختلفة. الستينية.. من الاحتفال إلى الذاكرة الحية بلغ هذا التصور ذروته في الدورة الستين، التي حملت شعار «ذاكرة تعيش». فقدقدم الكسراوي المهرجان على أنّه “علامة ثقافية تونسية عربية متوسطية» و«رأسمال ثقافي رمزي وطني»، معتبرا أن ستين سنة من تاريخ المهرجان ليست مجردمناسبة للاحتفال بالماضي، بل فرصة أيضا للتطلّع للمستقبل.  …

error: Content is protected !!