(ازمة ولاء)

الكاتبة نورا النعيمي

في زمنٍ مضى، كانت الكلمة تُعبر عن صدق نية قائلها، ودلالة الولاء تُقاس بثبات الأفراد ووقوفهم بجانب بعضهم البعض خلال الأوقات الصعبة. لكننا اليوم نواجه مفارقة غريبة: كل شيء أصبح متاحاً من حولنا، باستثناء الولاء. إنها أزمة صامته ، لا تُظهرها الأخبار السريعة، لكنها تتجلى بوضوح في تفاصيل حياتنا اليومية. الخيانة بالمعنى التقليدي حالة من التآكل البطيء لشعور الانتماء. فأن تكون حاضرًا بجسدك معنا، بينما قلبك متجهٌ نحو معانٍ مختلفة، هو تجسيد لهذه الخيانة. يتعلق الأمر بالعمل في بيئة لا تؤمن بها، والعيش في وطن تتمنى أن تعيش في وطن آخر. ، ودعم أشخاص يتطلعون إلى سقوط وطنك. تتحول الأمور إلى حالة من العفوية وقابلية الاستبدال، حيث يفقد كل شيء قيمته. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تجعلنا نرى باستمرار ما ينقصنا، نلاحظ حياة أفضل، رواتب أعلى. الوطن يتجاوز كونه مجرد حدود مرسومة على الخريطة أو مساحة جغرافية نعيش فيها. إنه يمثل جوهر الهوية والانتماء والتاريخ المشترك الذي يجمع بين الأفراد. ومع ذلك، فإن ما نشهده اليوم هو ظاهرة تُعرف بـ أزمة الولاء، حيث يواجه العديد من الشباب تحديات كبيرة في الانتماء لوطنهم. فقد أصبح ارتباطهم بالأرض والوطن ضعيفاً، في ظل تزايد ولائهم للطوائف أو العشائر أو الأحزاب السياسية، بل وحتى لدول أخرى. هذه الظاهرة تدل على تراجع الشعور بالوحدة الوطنية، مما يستوجب علينا التفكير في سبل تعزيز الهوية والانتماء الوطني لدى الأجيال القادمة. ، بلدانًا أكثر جمالًا، مما يدفعنا إلى الامتعاض من ما نملكه ويفقدنا شعور الولاء له. لم تعد المشكلة التي نواجهها مجرد أزمة في الكهرباء أو الخدمات الأساسية أو حتى مسألة الرواتب. الأزمة الحقيقية التي نعيشها، والتي تتسم بالعمق والتعقيد، تتعلق بالولاء.

منذ عدة سنوات، نشهد نوعًا من الانقسام غير المعلن، ولكنه يتجلى بوضوح في مختلف جوانب الحياة اليومية. هناك فئة من الناس يعبّر ولاؤها عن التزامها بالعراق، بما يشمله ذلك من حدود، وتضاريس، وشعب، في حين أن هناك فئة أخرى تشعر بالولاء لأمور تتجاوز هذه الحدود، سواء كانت فكرة معينة أو حزب سياسي أو مرجعية سياسية من خارج البلد، أو جهة أخرى تقدم مصالح أو فوائد أكبر.يجب علينا أن نغرس في عقول أبناءنا في المدارس أن العراق أكبر بكثير من أي حزب سياسي، ومن أي انتماء طائفي، وأيضًا من أي دولة مجاورة. ولاء الوطن لا يمكن فرضه بالقوة، بل يأتي بالفطره يُعزز من خلال العدل فالوطن يجب أن نحبه بسيئاته ونحافظ على كرامته وندافع عنه. من دون هذا الولاء، يظل الوطن جسداً بلا روح.

إن أزمة الولاء ستنتهي عندما يدرك الجميع حقيقة مهمة: جميع الولاءات تتلاشى، المناصب السياسية تتلاشى، الأحزاب تتبدد، وحتى الدعم الخارجي يختفي، لكن الوطن يبقى هو الوحيد الذي يحتضننا ويضمنا في ترابه.
لذلك، ينبغي أن نختار الوطن، فهو بمثابة الأم التي تعطي وتحتضن.

شاهد أيضاً

نجيب الكسراوي.. أربع سنوات في إدارة مهرجان الحمامات وتحويل الذاكرة إلىمشروع للمستقبل

منية كواش 24 أغسطس 2026 تحتاج المهرجانات، بعد أن يسدل الستار على آخر عروضها، إلى لحظة تتجاوزتقييم الأرقام والبرمجة والنجاحات الجماهيرية، للتوقف عند الوجوه التي أثثت هذاالمشهد وتابعت تفاصيله اليومية، في ظروف غالبا ما تكون صعبة وضاغطة. فالمهرجان لا يصنعه الفنّان وحده ، بل يشارك فيه أيضا كلّ من يخطط وينظمويتابع ويواجه ويعمل في الكواليس. ومن هذا المنطلق، يأتي هذا البروفايل، بالتزامن مع اختتام الدورة الستين لمهرجانالحمامات الدولي يوم 13 أوت 2026، كإعتراف بدور مدير مهرجان الحماماتالدولي   ومن معه من «جنود الخفاء» الذين ساهموا في استمرار هذه التظاهرةالعريقة وفي انجاحها.  على امتداد أربع دورات، ارتبط اسم نجيب الكسراوي بإدارة مهرجان الحمامات الدولي فسعى الى تقديم تصور مختلف للمهرجان ، تجاوز تنظيم إدارة موسمصيفي بعروض وحفلات ترفيهية متواترة ، من أجل بناء هوية فنية وثقافية متجددةلمؤسسة راكمت ستة عقود من الذاكرة. من التنشيط الثقافي الجهوي إلى إدارة أعرق المؤسسات بالحمامات التحق الكسراوي بإدارة مهرجان الحمامات بعد أن كسب خبرة في العمل الثقافيالجهوي. فقد أشرف على إدارة المركّب الثقافي بسليانة ثمّ تولى خطة المندوبالجهوي للشؤون الثقافية بالقيروان فأسس مهرجان”الفسقية”(نسبة الى فسقيةالأغالبة وهي معلم مائي في تاريخ العمارة الإسلامية) فأشرف عليه منذ دورتهالتأسيسية، واضعا ملامحه الأولى فتواصل المهرجان وأصبح  موعدا ثقافيا وفنيا، ينتظم بصفة دورية كل صائفة.  كما ارتبط اسم نجيب الكسراوي بإعادة إحياء مهرجان المدينة بالقيروان بعدانقطاع طويل، وهو مهرجان يقام خلال شهر رمضان المعظّم وقد بلغ هذه السنةدورته العاشرة. فكانت هذه المهرجانات والتظاهرات الثقافية فرصا عبّر فيهاالكسراوي عن تصوره القائم على تنويع البرمجة والانفتاح على الفضاءات العامةوإعطاء مكانة للعروض المحلية. فكسب من خلالها تجربة وخبرة وأصبحت له رؤيةثقافية واضحة ، ظهرت لاحقا في إدارته لمهرجان الحمامات، لاقتناعه الشديدبضرورة إيلاء أهمية كبيرة للجمهور، تنويع المضامين، تثمين الفنان التونسيوالانفتاح على المحيط. هذا وقد تمّ تعيين الكسراوي منذ شهر جوان 2023، مديرا عاما للمركز الثقافيالدولي بالحمامات «دار المتوسط للثقافة والفنون»، فإنتقل من إدارة النشاطالثقافي الجهوي إلى واحدة من أبرز المؤسسات الثقافية والفنية في تونس. مهرجان بهوية ثقافية متنوعة منذ بدايات تجربته في الحمامات، ركز الكسراوي على خصوصية المهرجانوهويته التاريخية، وأولى مكانة للعروض المسرحية والكوريغرافية إضافة إلىالموسيقى.  بدأ مهامه خلال الدورة 57 برؤية ثقافية متكاملة فأثث منصة فنية متنوعة ، وأولىإهتماما لفرجة متنوعة ، تستجيب لأذواق مختلفة  فلم يكتف بالعروض الغنائيةوالموسيقية بل أضاف لها عروضا مسرحية وكوريغرافية .  وفي برمجته لعروض الدورة 58 ، انتصر للمسرح وجعل منه خصوصية منخصوصيات هذا المهرجان العريق منتقيا أفضل العروض من تونس ومن خارجها، مؤمنا أن المهرجانات العريقة يجب أن تنوّع  من عروضها وفعالياتها حتى لاتتوقف على السهرات الغنائية الصيفية.   وعند إعداده للدورة 59 لسنة 2025 عبر الكسراوي عن تصوّره الجديد بأكثروضوح، فتحدث عن «سردية فنية متكاملة» وعن مهرجان يمثّل «محطة ثقافيةمهمة للفنان التونسي»، مع انفتاح في الوقت نفسه على المحيط المغاربي والعربيوالإفريقي وعلى ثقافات العالم. فجاءت الدورة 59 حاملة معها 36 عرضا في 33 سهرة، من بينها 18 عرضا تونسيا. فبدا وفيا لتصوره، مركزا على معادلة واضحة: الحفاظ على هوية المهرجان، مع التجديد والتنويع في  فئات الجمهور وفي العروض بالإنفتاح على تجارب فنية مختلفة. …

error: Content is protected !!