مقال المحامية زهراء حسن
في الآونة الأخيرة، انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي نبرة غريبة، تحاول تصوير “المطلقة” أو “الناشز” وكأنها امرأة معيبة. وهذا الفهم لا ينمّ إلا عن جهل بالدين، وظلم للواقع الإنساني..
أولاً: الطلاق تشريع “الرحمة”
الله سبحانه وتعالى الذي خلق النفوس ويعلم خفاياها، لم يفرض على الإنسان حياة الشقاء. فجاء قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
الإمساك بالمعروف: يعني حياة كريمة قائمة على المودة والرحمة.
التسريح بالإحسان: يعني فراقاً راقياً، يحفظ كرامة المرأة والرجل، دون تجريح أو اتهامات أو بحث عن “عيوب”.
فإذا كان الله قد سمى الفراق “إحساناً”، فمن أين أتى البعض بوصفه “عاراً” أو “عيباً”؟
ثانيا : “الناشز” بين القانون والواقع
قانوناً، “النشوز” هو حالة قانونية تترتب على امتعاض الزوجة من مساكنة زوجها في بيت الطاعة دون مبرر شرعي، وأقصى ما يترتب عليه في قانون الأحوال الشخصية هو سقوط حق الزوجة في النفقة طيلة فترة النشوز.
ليس حكماً أخلاقياً: النشوز ليس “جريمة” ولا “عيباً” يمس شرف المرأة، بل هو اختلاف في تقدير المصلحة الزوجية.
الحق في الخيار: في كثير من الأحيان، يكون النشوز هو “الصرخة القانونية” الوحيدة للمرأة التي لا تطيق العشرة، فتتحمل سقوط نفقتها مقابل عدم إجبارها على حياة لا ترتضيها.
التعسف في الاستخدام: من السخرية أن يستخدم البعض هذا المصطلح للتقليل من شأن المرأة، في حين أن القانون وجد لتنظيم الحقوق المالية فقط، وليس لإعطاء صكوك الغفران أو الإدانة الأخلاقية.
ثالثاً: مغالطة “العيب” في المطلقة
إن القول بأن المرأة “لو لم يكن بها عيب لما طُلقت” هو قول باطل يفتقر للمنطق؛ فالطلاق في كثير من الأحيان يكون لعدم التوافق في الطباع، أو لاستحالة العشرة، أو لحماية النفس من الضرر.
المرأة قد تُطلق لأنها أكرمت نفسها ورفضت الإهانة.
المرأة قد تُطلق لأنها أرادت حياة سوية لأطفالها بعيداً عن المشاكل.
هل ممارسة “الحق الشرعي” في الخروج من علاقة مؤذية يُعد عيباً؟ بل العيب فيمن ينظر للمرأة كسلعة تُرد إذا لم تعجب المشتري، متناسياً أنها إنسانة لها كيانها وكرامتها.
رابعا: الازدواجية والتهجم الذكوري
لماذا يُشار للمرأة بأنها “مطلقة” بنبرة اتهام، بينما لا يُقال للرجل “أنت مطلق” بذات النبرة؟ هذا التهجم الذكوري يعكس خللاً في الوعي؛ فالطلاق فعل يشترك فيه الطرفان، والرجل أيضاً “مطلق”. إن حصر “العيب” في المرأة دون الرجل هو ممارسة قاصرة تخالف العدل الإلهي والمنطق الإنساني.
خامسا / نحو انفصال آمن وحضاري
قبل أن تصل الخلافات إلى طريق مسدود، يدعونا العقل والشرع إلى محاولة الإصلاح واللجوء للحوار الصادق. ولكن، إذا استُنفدت كل الحلول، يجب أن يكون الانفصال “آمناً” وحضارياً:
كفّ الأذى: فلا يجوز التشهير بالطرف الآخر أو البحث عن زلاته.
الكلمة الطيبة: فالمعروف الذي بدأ به الزواج يجب أن ينتهي به.
الستر: لأن البيوت أسرار، والستر شيمة الكرام..
الخاتمة
وكما نطالب الرجل بالمعروف، ننصح المرأة أيضاً؛ فالبيوت لا تُبنى فقط بالحقوق، بل بالصبر والحكمة والمودة. على المرأة أن تكون سكناً لزوجها، وأن تسعى جاهدة لحل الخلافات بالكلمة الطيبة والاحتواء قبل أن تصل الأمور للمحاكم. فالنشوز أو طلب الطلاق لا يجب أن يكون خياراً سهلاً أو متسرعاً، بل هو آخر الدواء بعد استنفاد كل سبل الصبر والإصلاح، حفاظاً على كيان الأسرة الذي هو أمانة في عنق الطرفين.
الأطفال.. أمانة وليسوا وسيلة للانتقام
على كل رجل أن يدرك أن هذه المرأة هي “أم أطفاله”، وعلى المرأة أن تدرك أن هذا الرجل هو “أبو أطفالها”. من أقبح الأخلاق أن يُستخدم الأطفال كأداة لأذية الطرف الآخر. الأطفال بحاجة إلى صورة محترمة لوالديهم حتى بعد الانفصال؛ فكسر أحدهما أمام الأبناء هو كسر لمستقبلهم وتشويه لنفوسهم.
اتقوا الله في مشاعر البشر، وتذكروا أن الرقي في الاختلاف هو الاختبار الحقيقي للمعادن. المطلقة امرأة بدأت صفحة جديدة، والرجل المطلق كذلك، وكلاهما يستحق الاحترام لا الوصم.
مجلة صوتها تصدر عن منتدى الاعلاميات العراقيات