الازدحام المروري والقطوعات… أزمة يومية تنعكس على الصحة النفسية وتماسك المجتمع

لم يعد الازدحام المروري في المدن الكبرى، خصوصاً بغداد، مجرد مشكلة خدمية، بل تحول إلى عامل ضغط نفسي واجتماعي متصاعد، ينعكس بشكل مباشر على سلوك الأفراد وجودة حياتهم. فمع تزايد أعداد المركبات وضعف البنية التحتية، يقضي المواطنون ساعات طويلة يومياً في الطرق المزدحمة، ما يضعهم تحت تأثير مستمر من التوتر والإجهاد.

تشير تقديرات وتقارير دولية، منها تقارير البنك الدولي، إلى أن سكان المدن في الدول النامية قد يقضون ما بين ساعة إلى ثلاث ساعات يومياً في التنقل داخل المدن المزدحمة، وهو ما يرتبط بارتفاع مستويات الضغط النفسي وانخفاض الإنتاجية. كما توضح دراسات في مجال علم النفس الحضري أن التعرض اليومي للازدحام المروري يزيد من احتمالات الإصابة بالقلق والتوتر المزمن.

ويقول الباحث في الشأن الاجتماعي الدكتور أحمد الساعدي إن “الازدحام المروري المستمر يخلق حالة من الاستنزاف النفسي، إذ يصل الفرد إلى عمله وهو منهك ذهنياً، ما ينعكس سلباً على أدائه وتفاعله مع الآخرين”. ويضيف أن هذه الحالة، إذا استمرت، قد تتحول إلى نمط سلوكي دائم يتسم بالعصبية وسرعة الانفعال.

من جانبها، تؤكد تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية أن الضوضاء الناتجة عن حركة المرور تُعد من أبرز العوامل البيئية المسببة للتوتر واضطرابات النوم، فضلاً عن تأثيرها على الصحة النفسية والعصبية. كما تربط دراسات طبية بين طول مدة التنقل اليومي وارتفاع مستويات هرمون التوتر (الكورتيزول)، ما يزيد من احتمالات الإصابة بالاكتئاب.

ولا تقتصر تداعيات الازدحام على الجانب النفسي، بل تمتد لتشمل البعد الاجتماعي. إذ يوضح الخبير في علم الاجتماع الدكتور علي الموسوي أن “الوقت الذي يُهدر في الطرق يقلل من فرص التواصل الأسري، ويضعف الروابط الاجتماعية، خصوصاً في المجتمعات التي تعتمد على التفاعل المباشر”. ويشير إلى أن هذا الأمر يؤدي تدريجياً إلى تراجع جودة الحياة الاجتماعية وزيادة الشعور بالعزلة.

أما على صعيد الأرقام، فتشير دراسات دولية إلى أن الأفراد الذين يقضون أكثر من 90 دقيقة يومياً في التنقل يكونون أكثر عرضة بنسبة تصل إلى 30% للإصابة بمشكلات نفسية مقارنة بغيرهم. كما أظهرت أبحاث منشورة في دوريات علمية متخصصة أن الازدحام المروري يرتبط بزيادة السلوكيات العدوانية بين السائقين، نتيجة الضغط العصبي المتراكم.

وفي السياق المحلي، يؤكد مختصون في التخطيط الحضري أن القطوعات المرورية غير المنظمة، إلى جانب غياب أنظمة نقل عام فعالة، تضاعف من حدة المشكلة، وتخلق ما يشبه “الحلقة المفرغة” من التوتر: ازدحام يؤدي إلى ضغط نفسي، والضغط يولد سلوكاً فوضوياً، ما يزيد من الازدحام.

ويرى خبراء أن معالجة هذه الأزمة تتطلب حلولاً متكاملة، تبدأ بتطوير البنية التحتية، وتفعيل النقل الجماعي، وتنظيم حركة السير، وصولاً إلى تبني سياسات حضرية تقلل من الاعتماد على المركبات الخاصة.

في المحصلة، لم يعد الازدحام المروري مجرد أزمة طرق، بل بات قضية تمس الصحة النفسية والاستقرار الاجتماعي، ما يستدعي تعاملاً جاداً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات طويلة الأمد تضع الإنسان في صلب الأولويات.

تحقيقات و تقارير

شاهد أيضاً

المرأة العراقية… نصف المجتمع وصانعة الأمل في يومها العالمي

في الثامن من آذار من كل عام، يحتفل العالم بـاليوم العالمي للمرأة، مناسبة دولية لتكريم …

error: Content is protected !!