القرار في ميزان الحكمة والتخطيط

سوسن الجزراوي

لم يعد السؤال اليوم كيف يُصنع القرار؟ وما هي شروطه، بل من يملكه فعلاً، وأي حكمة تؤثر في اتخاذه!
فخلف الكثير من نتائج أي مباحثات والتي تبدو بشكلها الظاهري والحقيقي من ناحية أخرى ذات روح وطنية خالصة، تقف مؤثرات خارجية تمارس ضغوطها بصمت أو بضجيج خافت، بضغط أو ترغيب، بمساعٍ دبلوماسية أو بتلويح للحرب. ففي زمن العولمة لم تعد السيادة مفهوماً تحمل أساساته الصلابة كما كنا نعهدها، بل أصبحت مساحة تفاوض وصراعات ومصالح خفية تُختبر فيها إرادة الدول والمؤسسات أمام كم هائل من الضغوط السياسية والاقتصادية والإعلامية التي تتخطى بتفاصيلها كل الحدود. وبطبيعة الحال أنا لا أقف عند حدود الدول العربية أو الشرق الأوسط إجمالاً، بل أعني كل دول العالم.

وهنا تبرز إشكالية التدخلات الخارجية في صناعة القرار باعتبارها واحدة من أكثر القضايا حساسية التي تواجه استقلال الإرادة الوطنية. إذ وكما هو معروف، فالقرار يفترض أن يكون تعبيراً عن المصلحة العامة وأن ينبع من قراءات دقيقة عن احتياجات المجتمع، غير أن الواقع يكشف أن كثيراً من القرارات تتشكل تحت تأثير حسابات لا ترتبط بأولويات الداخل ومصالح الشعوب فقط، بل بموازين قوى خارجية تفرض شروطها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سواء رضي الطرف المشروط عليه أم لا. وهذا ليس بالأمر الغريب في عالمنا هذا، فالمساعدات المالية على سبيل المثال لا تُقدَّم في الغالب بلا مقابل، بل بشروط قد تعيد رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية، والعقوبات لا تستهدف الاقتصاد فحسب بل تضغط لتغيير خيارات سياسية بعينها.

أما المدافعون عن هذا النوع من التأثير فإنهم يرون فيه نتيجة طبيعية لعالم مترابط وفق رؤيتهم، حيث تتقاطع المصالح وتتداخل القضايا، ويعتبرون أن الالتزام بالمعايير الدولية أو الاستجابة للضغوط الخارجية قد يكون أحياناً ضرورة لتفادي العزلة أو العقوبات أو الانهيار الاقتصادي أو الإطاحة بالحكم. غير أن هذا الطرح يتجاهل سؤالاً غاية في الأهمية: هل يبقى القرار وطنياً حين يُتخذ خوفاً من العقوبة أو طمعاً في الدعم، أم أنه يصبح استجابة لإرادة أقوى تملك أدوات تأثير مهمة؟

ولا يخفى على أحد أن الأخطر من التدخل المباشر هو ذاك الذي يتسلل عبر أدوات ناعمة يصعب رصدها. فالإعلام الذي كسر كل القيود وعبر الحدود قادر على تشكيل الرأي العام بطريقة تدفع صانع القرار إلى تبني خيارات معينة تفادياً للانتقاد أو حفاظاً على صورة خارجية. والشركات الكبرى قد تؤثر في السياسات من خلال استثماراتها الضخمة وقدرتها على خلق أو سحب فرص العمل. بل إن الخطاب الثقافي والقيمي قد يعيد تشكيل أولويات المجتمعات بشكل تدريجي بحيث يصبح القرار متوافقاً مع منظومة فكرية مستوردة أياً كان مصدرها.

وكواقع عملي فإن هذا لا يعني الدعوة إلى الانغلاق أو رفض التعاون الدولي والإقليمي، فالعالم اليوم قائم على شبكة مصالح متبادلة متشابكة لا يمكن تجاهلها. إلا أن الفرق كبير بين التعاون القائم على المصالح المشتركة وبين الخضوع لضغوط تُفرغ القرار من مضمونه السيادي. فحين تُفرض سياسات اقتصادية لا تراعي خصوصيات المجتمعات أو تُعاد صياغة تشريعات تحت ضغط خارجي، تكون الدول أمام غياب فعلي للاستقلال حتى وإن بقيت المظاهر الشكلية للسيادة قائمة.

وهكذا تبدأ مواجهة التدخلات الخارجية عبر بناء قوة داخلية حقيقية لا مجرد شعارات فضفاضة. لأن الدول الضعيفة اقتصادياً وسياسياً تكون أكثر عرضة للضغط والابتزاز والمساومة، أما بوجود اقتصاد متين ومؤسسات شفافة نزيهة ومجتمع واعٍ فإن القدرة على التفاوض تتعزز ويتحول التأثير الخارجي من إملاءات إلى حوارات.

ويأتي تنويع الشراكات الدولية للتقليل من الخضوع لطرف واحد، ويمنح صانع القرار هامشاً أوسع للمناورة وكسب المزيد من الوقت والمنافع.

ومن البديهي أن يكون جوهر المسألة متعلقاً بميزان دقيق بين الانفتاح والحماية. فالانعزال الكامل يقود إلى متاهات غير واقعية، لكن الانسجام مع إرادات الآخرين أحياناً لا يقل حيرة ووهم عن ذاك الانعزال. فالقرار الذي لا يعكس احتياجات المجتمع ولا ينبع من إرادته الحرة يفقد شرعيته بلا شك، حتى لو بررته لغة المصالح. ولذلك فإن الدفاع عن استقلال القرار ليس هتافاً عاطفياً بل أهم شرط من شروط الحفاظ على الكرامة السياسية وضمان أن تبقى الأولويات نابعة من الداخل لا مفروضة من الخارج.

ومن بين الكثير من الأسماء التي نجحت في كسر حاجز الخوف من الضغوطات تأتي تجربة سنغافورة كمثال واضح لدولة نجحت في صنع قراراتها الاستراتيجية بوعي طويل المدى، إذ ركزت منذ استقلالها على التعليم والانضباط الإداري وجذب الاستثمارات، متحولة من دولة محدودة الموارد إلى مركز مالي عالمي.

كذلك تُبرز كوريا الجنوبية نموذجاً ملهماً، إذ اتخذت قرارات حاسمة لدعم التصنيع والتكنولوجيا بعد الحرب فصنعت اقتصاداً تنافسياً عالمياً. أما رواندا فتمثل حالة مختلفة، فبعد الإبادة الجماعية اعتمدت سياسات مصالحة وطنية وتنمية مؤسسية جادة ما عزز الاستقرار والنمو. وتظهر ألمانيا أهمية القرارات الاقتصادية المتوازنة خاصة بعد إعادة التوحيد حيث استثمرت في البنية التحتية والصناعة المتقدمة.

هذه النماذج تؤكد أن وضوح الرؤية والالتزام بالتخطيط والاستثمار في الإنسان عناصر أساسية لنجاح الدول في صياغة قراراتها وتحقيق التنمية المستدامة. كما أن الشفافية والمساءلة عززتا ثقة المواطنين بالمؤسسات ورسخت ثقافة العمل والإنتاج.

ويبقى السؤال الأهم: هل نملك الشجاعة للاعتراف بحجم التأثيرات التي تُمارَس علينا، أم نكتفي بالاحتفاء بشكل السيادة حتى وإن كان مضمونها لا يصل إلى الشكل الذي نطمح إليه؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي الخطوة الأولى لاستعادة القرار بوصفه ممارسة حرة لا صدى لإرادة أخرى.

شاهد أيضاً

العالم ليس في أمان!!

بقلم حنان تركيمع ازدياد رقعة الحرب وتقلص فرص السلام لم يعد العالم في أمان.. الة …

error: Content is protected !!