دوام الفرح يا ربّ

ما إن أطلق الحكم صافرة النهاية معلناً التأهل إلى المونديال صباح يوم ١ نيسان، حتى بدا وكأن العراق كلّه نهض دفعةً واحدة، كأن المدن فتحت أبوابها للفرح والشوارع استعادت نبضاً كانت تنتظره منذ زمن…
دقائق قليلة كانت كفيلة بأن يتحول الصمت إلى هتاف، والبيوت إلى ساحات احتفال والوجوه إلى مرايا تعكس فرحاً مؤجلاً وجد طريقه أخيراً.
الآلاف من المواطنين، شباباً وأطفالاً وكباراً، في كل العراق نزلوا الشوارع للتعبير عن فرحة فطرية، المشهد كان واضحاً وبسيطاً إلى درجة يصعب تحليلها بلغة معقّدة؛ أناس خرجوا لأنهم احتاجوا أن يفرحوا، لأن في داخلهم تراكمات ثقيلة تبحث عن منفذ، لأن الحياة في تفاصيلها اليومية لم تمنحهم الكثير من اللحظات التي تستحق أن تُعاش. لم يكن أحد يفكر بالسياسة ولا بالمواقف ولا بالاصطفافات، كانت لحظة عفوية تعيد الإنسان إلى طبيعته الأولى، يفرح دون أن يسأل نفسه: لماذا أفرح؟
في المقابل، كان هناك مشهد آخر يتشكل بهدوء، كلمات تبدأ بـ “ليش”، وتتبعها “شنو يعني”، وتنتهي بـ “بس”، وكأن الفرح تهمة تحتاج إلى تبرير، و على الناس أن يقدّموا تفسيراً منطقياً لكل ابتسامة وأن يخضعوا مشاعرهم لمعايير الجدل اليومي الذي اعتاد أن يحوّل كل شيء إلى ساحة نقاش.

العراقي اليوم يعيش تحت ضغط متواصل من أخبار وتحليلات وتوترات لا تنتهي، حتى بات الحزن جزءاً من الإيقاع العام للحياة، يُستقبل كأمر طبيعي وتُفتح له المساحات دون اعتراض، بينما يُستقبل الفرح بشيء من الشك وكأنه استثناء يجب التدقيق فيه.
هذا الخلل في ميزان الشعور لا يأتي من فراغ وإنما من سنوات طويلة تعلّم فيها الناس كيف يتعاملون مع الأزمات أكثر مما تعلّموا كيف يحتفلون باللحظات الجميلة.

ولعل ما حدث في ذلك اليوم لم يكن مجرد فوزٍ في مباراة وإنما لحظة التقاء نادرة تذوب فيها الفوارق وتخفّ فيها حدّة التصنيفات، ويعود الشعور الجمعي إلى صورته البسيطة: نحن نفرح معاً.
هذه اللحظة بكل بساطتها تحمل قيمة أكبر مما تبدو عليه، لأنها تعيد بناء شيء غير مرئي بين الناس، شيء يشبه الثقة أو الألفة التي تتآكل بصمت مع كل موجة انقسام.

ومن المفارقات التي تحمل معنى عميقاً، أن يأتي هذا الفرح متزامن مع “أكيتو”، رأس السنة في حضارات وادي الرافدين، ذلك العيد الذي كان إعلاناً لبداية جديدة وتجديداً للحياة وكأن هذه الأرض رغم كل ما مرّ عليها، ما زالت تحتفظ بذاكرة الفرح وتبحث عن أي فرصة لتستعيدها ولو للحظات.

أما الحديث عن العطلة وتعطيل المصالح، وخسارة يوم عمل، فيبدو وكأنه يختزل الإنسان بوظيفته فقط، ويتجاهل أن الإنسان يحتاج إلى توازن، إلى لحظة يخرج فيها من المألوف، من ضغط الإنتاج والواجبات إلى مساحة يعيش فيها نفسه.
كم من أيام مرت على هذا البلد امتلأت بالحزن ولم يسأل أحد عن كلفة ذلك على النفوس؟
وكم من مناسبات أُغلقت فيها القلوب قبل الدوائر ولم يُطرح السؤال ذاته؟
الفكرة أبسط مما تُقدَّم عليه؛ الفرح ليس قراراً سياسياً ولا ملفاً إدارياً وإنما حاجة إنسانية.
المجتمعات التي تجد فرصة للفرح المشترك تكون أكثر قدرة على التماسك وأكثر استعداداً لمواجهة أزماتها، لأن ما يجمعها في لحظات الفرح يبقى أثراً حتى في لحظات الاختلاف.

هناك من اعتاد أن يرى النقص في كل مشهد، أن يبحث عن الثغرة قبل أن يرى الصورة، أن يختبر كل لحظة بمقياس الجدوى المباشرة وهذا النمط من التفكير يستهلك الأشياء الجميلة قبل أن تكتمل ويحوّل الفرح إلى مادة قابلة للتشكيك بدل أن يكون تجربة تُعاش.
ما يحتاجه العراقي اليوم ليس فقط حلولاً اقتصادية أو سياسية، وإنما مساحات شعورية تعيد إليه توازنه، لحظات يشعر فيها أن الحياة ليست كلها صراعاً وأن هناك ما يستحق أن يُحتفى به، حتى لو كان بسيطاً، حتى لو كان مؤقتاً.

الفرح لا يُنقص من هيبة الدولة ولا يُعطل مسار التعليم ولا يُسقط المصالح، الفرح يعيد الإنسان إلى إنسانيته ويمنحه طاقة للاستمرار ويخفف من حدّة الاحتقان الذي يتراكم بصمت.
وكلما كان الفرح جماعياً، كان أثره أعمق وأبقى.
لهذا، تبدو عبارة “يا رب الفرح دوم” أقرب إلى حاجة جماعية منها إلى دعاء عابر، حاجة بلدٍ يريد أن يستعيد توازنه وأن يتذكر أن الحياة لا تُقاس فقط بما فيها من أزمات وإنما أيضاً بما تمنحه من لحظات تستحق أن نعيشها كما هي… دون تبرير، ودون خوف من أن يعترضها أحد بكلمة تبدأ بـ “بس”.

شاهد أيضاً

العالم ليس في أمان!!

بقلم حنان تركيمع ازدياد رقعة الحرب وتقلص فرص السلام لم يعد العالم في أمان.. الة …

error: Content is protected !!