إرهاصات الحضارة ومراسيم الزواج

الكاتبة بلسم واثق

في تلك اللحظة التي استقرّ فيها جسدي على مقعدٍ تحاصره زوابع الفرح، كنتُ أرقب كيف ينسج الصخب نفسه خيطًا لامعًا في نسيج الاحتفال. الموسيقى تتدفق كأنهار متشابكة، والضحكات تتصاعد كبخور المعابد القديمة، بينما المجاملات تتراقص على ألسنة الحاضرين كفراشات في حقل ربيعي. هناك، في مركز هذا الكون الصاخب، كانت العروس تقف كتمثالٍ من ضوء، ثوبها الأبيض يلتهم كل الألوان ويعيد بثّها نقاءً، قدماها مغمورتان في وعاءٍ يحتضن الآس الأخضر، وبين أصابعها تتوهج حبات الهال كنجوم صغيرة سقطت من سماء عطرة.

أمامها، تتقدم “صينية العطّار” كموكبٍ ملكي، تحمل في طياتها عطور الأرض المقدسة والقرآن الذي يرتّل صمتًا في قلب الاحتفال. في تلك اللحظة بالذات، اجتاحتني رعشة لم تكن باردة ولا حارة، بل كانت رعشة الانتماء لشيءٍ أعظم من اللحظة ذاتها، شعور بأنني أقف على عتبة زمنٍ لا يُقاس بالساعات، زمنٍ يمتد جذوره في أعماق التراب حيث نامت الحضارات الأولى.

هنا، بين ثنايا هذا المشهد المعاصر، بدأت أرى بعين الباصرة ما لا تراه العين المجردة. كل حركة، كل لفتة، كل رائحة عطر، كانت نافذة تطل على بلاد الرافدين حيث وُلدت أولى همسات الحب المكتوبة. تذكرتُ “إنليل” الإله الذي أحب كإنسان، وكيف اجتاز سهول سومر بقلبٍ يبحث عن نصفه الآخر، حتى وقعت عيناه على “سود” تلك الفتاة التي كانت تقف على عتبة دارها في مدينة “إيريش”، كأنها قصيدة لم تُكتب بعد.

ما أشبه تلك القصة الأسطورية بما نعيشه اليوم! فإنليل حين عاد إلى بلاده محمّلًا بصورة الحبيبة في صدره، أرسل رسوله وخادمه ليطلب يدها، تمامًا كما نفعل نحن اليوم. ثم جاءت أخت العريس تحمل الهدايا وتُعدّ للعرس، كما تفعل نساؤنا. وفي الليلة الحاسمة، كانت أخت إنليل تمسك بيد العروس وتقودها نحو “الإيكور البراق”، بينما تنثر على وجهها العطور الطيبة، وتُزيّن غرفة العرسان بالزهور العطرية، تمامًا كما تفعل أخواتنا وأمهاتنا اليوم.

أليس مذهلًا كيف تسافر الطقوس عبر آلاف السنين دون أن تفقد روحها؟ كأنها أنهار جوفية تجري تحت تراب الزمن، ثم تنفجر فجأة ينابيع في حاضرنا، تروي عطش انتمائنا لشيءٍ أكبر من أنفسنا الصغيرة.

يقول المستشرق جاك بيرك بحكمة الرائي: “التراث هو ماضٍ يحاور الحاضر من المستقبل”. وفي هذه الجملة يكمن سرّ وجودنا المعاصر. فنحن لسنا مجرد كائنات تسكن اللحظة الراهنة، بل نحن جسور حية تربط بين ضفتين: ضفة الأجداد الذين رحلوا وضفة الأحفاد الذين لم يأتوا بعد.

لكننا اليوم نقف على هذا الجسر ونحن نترنح، متعبون، حائرون. كثيرًا ما نصحو على ضجيج الهدم، على أخبار تقول إن صرحًا حضاريًا سيُمحى بحجة البناء الجديد، كأننا ننسى أن البناء الحقيقي لا يبدأ من الصفر، بل من حيث انتهى الأسلاف. التراث، سواء كان تقاليد محفورة في ذاكرة الجماعة، أو صروحًا حجرية تشهد على عبقرية البنّائين الأوائل، أو قيمًا أخلاقية تُنير الدرب، هو البوابة التي نطلّ منها على المستقبل، لا السجن الذي يحبسنا في الماضي.

هذا التراث الثري، الفكري والمادي، الشعبي والنخبوي، هو الذي يُشكّل هويتنا الوطنية والإنسانية. إنه البوصلة التي توجهنا في متاهات الحياة المعاصرة، والمرآة التي نرى فيها أنفسنا كما ينبغي أن نكون. حين نحافظ عليه، نحافظ على جوهر إنسانيتنا. وحين نهمله، نصبح كأوراق تتطاير في الريح، بلا جذور ولا اتجاه.

لكن المسألة ليست بسيطة كما تبدو. فأنا لا أدعو إلى عبادة عمياء للماضي، ولا إلى تحويل التراث إلى صنم نطوف حوله دون أن نفهم معناه. ما أرومه هو التمييز الدقيق بين الموروث السليم الذي يستحق الحفظ والإحياء، والموروث الهشّ الذي ينبغي أن يتساقط كأوراق الخريف ليفسح المجال لربيع جديد.

الفاجعة الحقيقية، والخطيئة التي لا تُغتفر، هي أن نجلس في حضن الماضي كمومياوات مزيّنة، نجترّ الذكريات دون أن نقدّم للمستقبل شيئًا ذا قيمة. أن نحوّل التراث إلى متحف ميت، بدلًا من أن يكون نبعًا حيًّا يغذي إبداعنا المعاصر.

علينا أن نحترم صور الماضي، لكن باحترام الأحياء للأحياء، لا بتقديس الموتى للأموات. علينا أن نحافظ على الملامح الحضارية التي تطلّ علينا من البنيان الشامخ والابتكارات الذكية والقيم السامية، لكن بطريقة تجعلها تتنفس في حاضرنا، لا تختنق في أقبية المتاحف.

المطلوب هو أن نبسّط التراث، أن نجعله قريبًا من وجدان الناس، أن نتخيّله من جديد بعيون معاصرة دون أن نخون جوهره. أن نعزز الانتماء إليه ليس من خلال الخطب الرنانة والمناسبات الرسمية، بل من خلال الممارسة اليومية، من خلال أن نجعله ينبض في سلوكياتنا، في طريقة تعاملنا مع الآخر، في مسؤوليتنا تجاه الصروح الحضارية التي ورثناها.

هذه الصروح والمأموريات التراثية يجب أن تُثبّت في وعينا الجمعي، أن تُمسرح في حياتنا اليومية، لا أن تبقى مجرد معالم سياحية نمرّ بجانبها غافلين.

وهذا لا يتحقق إلا من خلال الفرد، من خلال سلوكياته التي تنبع من أسارير أخلاقه العالية، من عمق انتمائه الحقيقي لا الشكلي لهذه الأرض وهذا التاريخ.


وهكذا، بينما كنتُ جالسة في ذلك العرس، أراقب طقوسه التي تعود إلى آلاف السنين، أدركتُ أن الحضارة ليست مبانٍ ولا نقوشًا على الحجر فحسب، بل هي هذا الخيط الرفيع الذي يربطنا بأجدادنا، وبأحفادنا الذين لم يولدوا بعد. وأن واجبنا هو أن نحافظ على هذا الخيط مشدودًا، قويًّا، متوهجًا، حتى لا تضيع القافلة في صحراء النسيان.

شاهد أيضاً

( ​بين المصطلح القانوني والوصم الاجتماعي: نحو تصحيح المفاهيم حول “الناشز” و المطلقة)

مقال المحامية زهراء حسن​في الآونة الأخيرة، انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي نبرة غريبة، تحاول تصوير …

error: Content is protected !!