العالم العربي و زمن الفوضى الدولية

سوسن الجزراوي

ما ان حطّت الحرب الباردة رحالها ، معلنة النهاية ، ساد العالم اعتقاداً (( فضفاضاً )) بأنه دخل مرحلة الاستقرار التي ستقودها قوة واحدة قادرة على فرض النظام وحماية القواعد الدولية والمعايير الآمنة ، غير أن هذا التصور بدأ بالانحسار تدريجياً مع ظهور قوى جديدة ، وتراجع قدرة القوة المهيمنة على ضبط النظام أو حتى الرغبة في تحمّل كلفته ، وبدل أن يؤدي الانتقال إلى تعددية قطبية منظمة ، وجد ( العالم القديم ) وفق تسميته في عصر الاكتشافات الجغرافية ، والذي حمل اسم ( الشرق الاوسط ) لاحقاً ، وجد نفسه أمام حالة من التذبذب السياسي ، حيث الدول الكبرى التي تتصرف وفق مصالحها الضيقة بلا اكتراث حقيقي بالتداعيات الدولية .

هذا الواقع أضعف المؤسسات في تلك الدول ، وجعلها عاجزة عن منع الحروب أو حتى احتوائها ، فتحولت القرارات الدولية إلى بيانات إدانة لا قيمة لها ، وأصبح الفيتو أداة لتعطيل العدالة لا لحفظ التوازن وترسيخ الحقوق .

ووفق هذه الاجواء ، عادت ( القوة ) لتكون اللغة السائدة في السياسة العالمية ، ولم يعد السؤال: من يملك الحق ، بل: من يملك القدرة !!!

وبهذا المنطق الاهوج ، باتت الحروب مبررة ، و(( الاحتلال )) تحرير ، واعيدت صياغة المفاهيم الأخلاقية بما يخدم مصالح الأقوى ، ونتيجة لذلك صارت هذه الفوضى لا تُوزّع آثارها بالتساوي ، بل تضرب بشكل خاص المناطق المنهكة سياسياً وفي مقدمتها العالم العربي الذي يجد نفسه مرة أخرى في مهب الريح كساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية وحلبة لنزاعات القوى الكبرى .

و بقيت الدول العربية عرضة للضغط والابتزاز ، لانها تفتقر للمشروع السياسي الموحد والرؤى الاستراتيجية ، فتحولت أزماتها الداخلية إلى أدوات تستخدمها القوى الكبرى لبسط نفوذها ، والصراعات القائمة في عدد من الدول العربية لم تعد شأناً محلياً ، بل باتت مرتبطة مباشرة بتوازنات دولية وإقليمية ، ما يجعل حلها مرهوناً بتفاهمات خارجية أكثر من كونه نابعاً من إرادة داخلية .

من جهة اخرى ، نرى ان خطورة الفوضى الدولية في حالة ازدياد كبيرة على العالم العربي ، وهي ليست بالضرورة قدرٌ (( احمق الخطى )) بالكامل ، ففي لحظات التحول الكبرى ، تنشأ فرص لمن يملك الوعي والقدرة على الفعل ، وسط عالم بلا مركز واضح قد يمنح هامش حركة أوسع للدول التي تحسن قراءة التحولات لتبني استقلالاً وان كان نسبياً في قرارها السياسي والاقتصادي .

الا ان هذه الفرصة تبقى مشروطة بوجود إرادة جماعية ورؤية استراتيجية ، وهو ما يظل التحدي الأكبر أمام العالم العربي مسلوب الارادة في بعض ازمنته .

كما ان الحقيقة الموجعة ، هي العالم يتجه نحو الفوضى ، وهذا بات واقعاً لا لبس فيه ، يبقى السؤال الاهم : ترو هل سيبقى العالم العربي يتلقى محصلة صراعات لا يصنعها ، أم سينجح في التحول إلى لاعب في هذه المنازلة ، حتى وان امتلك الحد الأدنى من القدرة على التأثير ! وبين كل الخيارات المتاحة ، يتحدد مستقبل العالم العربي في زمن التشظي هذا .

شاهد أيضاً

إرهاصات الحضارة ومراسيم الزواج

الكاتبة بلسم واثق في تلك اللحظة التي استقرّ فيها جسدي على مقعدٍ تحاصره زوابع الفرح، …

error: Content is protected !!