كتبت الروائية حوراء النداوي
يظن “الدوني” من خلال جلده الدائم لجماعته، بأنه يعكس وعياً نقدياً وموقفاً أخلاقياً محموداً، غير أنه في حقيقة الأمر يظهر سلوكاً مَرضياً يقترب من مستوى الاضطراب، وذلك لأن له جذوراً واضحة، تؤكد ذلك. فهذا “الدوني”، هو في الغالب، شخص تعرض مبكراً لإشارات مباشرة، وأحياناً غير مباشرة، تدلل على أنه “أقل”، لكونه من الأصل/العرق الفلاني، أو المجتمع الفلاني، أو الثقافة الفلانية. فينشأ وهو عاجز عن تحمل هذا الجرح الغائر في ذاته، وبدلاً من ان يتحداه، تجده يشهر سلاحه ضد جماعته ليجلدهم بدل مواجهة الإهانة، فهو مقتنع بأنهم السبب الرئيس في كونه أدنى منزلة. ولذلك، يستميت الدوني بالتماهي مع الآخر الذي يراه أعلى منه، ليحتمي به نفسياً من ذاته الهشة/المهشمة أصلاً؛ فيسعى على الدوام لتقديم نفسه على أنه ذلك “الاستثناء النظيف” أو المختلف عن باقي “القطيع” الذي ينتمي إليه بالولادة، لا عبر التفكير النقدي أو المراجعة الصحية، بل عبر إظهار الاحتقار، والكراهية الذاتية!
ولطالما أثار “الدوني” المنتمي لجماعات بعينها استغرابي! ترى لماذا هذه الجماعة تحديداً، تصدّر أعداداً كبيرة جداً من الدونيين، النازفين بإهانات أزلية لا تلتئم؟! وتبيَّن ان السبب يكمن في الإحساس المتعاظم بالوضاعة الملازم لتلك الجماعات؛ إحساس ممزوج عضوياً بهويتهم الجمعية، ما يعني أنه متغلل على نحوٍ عصيّ على الانتزاع أو التصحيح. وهذا ما يفسر ربما، أن كثيراً من الدونيين لا يحتملون أن يكونوا مجرد أفراد “عاديين” في جماعة يرونها أدنى مكانة من غيرها. فتجدهم يسعون بشراسة لإظهار تميزهم عبر اصطناع هوية المعارض، أو المتمرد المشاكس، الناقم على جماعته، المشمئز من طقوسها وكل ما تمثله، ظناً بأن ذلك يرفع منزلته، سيما في عيون الآخر ذو الحظوة والمكانة؛ وذلك في حالةٍ تبدو أقرب الى اضطراب هوية مركّب وصعب التفكيك، فصاحبها لا يميز ببساطة بين النقد الصحي المنطلق من الانتماء رغبة بالإصلاح، وبين سحق الذات كلياً. حالة مستعصية ترى العالم بعين واحدة، من موقع الخجل واحتقار الذات، ولا تستطيع إرضاء “الآخر”، إلا عبر الحاجة المستمرة الى جمهور، بل حشود من “الآخرين”، يصفقون له ويطمئنونه بأنه قد نال الرضا بالانسلاخ!
مجلة صوتها تصدر عن منتدى الاعلاميات العراقيات