مع اقتراب اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة في 25 نوفمبر، يكشف تقرير أممي جديد صورة قاتمة ومقلقة: العنف ضد النساء ما يزال واحدًا من أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشارًا وإهمالًا في العالم، دون أي تقدّم يُذكر منذ عام 2000.
التقرير، الصادر عن منظمة الصحة العالمية وشركاء أمميين، يُعدّ الأوسع من نوعه، إذ حلّل بيانات من 168 دولة بين عامي 2000 و2023، ليخرج بخلاصة صادمة:
امرأة واحدة من كل ثلاث نساء — نحو 840 مليون امرأة — تعرضت للعنف الجسدي أو الجنسي خلال حياتها. وهو رقم شبه ثابت منذ عقدين، رغم الجهود الدولية والتشريعات التي يفترض أنها تهدف إلى حماية النساء.
316 مليون امرأة في عام واحد فقط
بيانات العام الماضي وحده تكشف حجم الأزمة:
316 مليون امرأة — أي 11% من النساء فوق 15 عامًا — تعرضن للعنف من شركائهن.
وللمرة الأولى، يقدّم التقرير تقديرات عالمية لحالات العنف الجنسي من غير الشريك، حيث تشير الأرقام إلى تعرض 263 مليون امرأة له منذ سن الخامسة عشرة، مع تأكيد الخبراء أن العدد الحقيقي قد يكون أعلى بكثير بسبب الخوف والوصمة الاجتماعية التي تقف حاجزًا أمام الإبلاغ.
الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، علّق على النتائج بقوله:
“وراء كل إحصائية امرأة أو فتاة تغيّرت حياتها إلى الأبد. تمكين النساء ليس خيارًا، بل ضرورة للسلام والتنمية والصحة.”
دراسة أممية: أزمة مُهملة ونقص حاد في التمويل
التقرير الذي يُحدّث تقديرات عام 2018، يعرض مشهدًا عالميًا تتداخل فيه الثقافة، وضعف القوانين، والفقر، والنزاعات، والتمييزلتُشكّل بيئة خصبة للعنف، بينما تعاني الاستجابة من نقص التمويل وضعف برامج الوقاية.
وفي وقت تزداد فيه حملات التوعية، من بينها حملة 16 يومًا من النشاط الممتدة من 25 نوفمبر إلى 10 ديسمبر، يظل الواقع أكثر تعقيدًا من الشعارات.
العالم الرقمي… مساحة جديدة للعنف
مع توسّع استخدام الإنترنت، كان الأمل أن يصبح الفضاء الرقمي مساحة تمكين للنساء والفتيات. إلا أن الواقع، كما يشير التقرير، يُظهر العكس:
العنف الرقمي ينتشر بوتيرة متسارعة، تغذّيه أدوات الذكاء الاصطناعي وغياب التشريعات الرادعة.
غياب قوانين تحمي النساء
بحسب البنك الدولي، أقل من 40% من بلدان العالم لديها قوانين تجرّم التحرش الإلكتروني أو المطاردة الإلكترونية.
وهذا يعني أن 1.8 مليار امرأة وفتاة يفتقرن للحماية القانونية في الفضاء الرقمي.
تتنوّع أشكال العنف الرقمي بين:
• التهديد والتحرش
• التشهير
• مشاركة الصور دون موافقة
• الملاحقة الإلكترونية
• التزييف العميق المسيء
• حملات التحريض والتضليل القائمة على النوع الاجتماعي
صحفيات، سياسيات، وناشطات يتعرضن بشكل متزايد لتهديدات مباشرة، بينها تهديدات بالقتل.
سيما بحوث، المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، حذّرت من خطورة الظاهرة:
“ما يبدأ في الإنترنت لا يبقى في الإنترنت… الإساءة الرقمية تنتقل إلى الحياة الحقيقية وقد تنتهي بالعنف الجسدي أو القتل.”
الذكاء الاصطناعي… مضاعِف للعنف وإفلات من العقاب
مع تطور تقنيات التزييف العميق، أصبح بالإمكان إنتاج صور ومقاطع مزوّرة تُستخدم لتدمير سمعة النساء أو ابتزازهن.
ويشير التقرير إلى أن منصات التكنولوجيا لا تزال تفتقر لآليات فعالة لمنع الانتهاكات أو محاسبة الجناة، بينما تظل القضايا العابرة للحدود تحديًا قانونيًا معقدًا.
ورغم ذلك، بدأت بعض الدول بسنّ تشريعات جديدة، منها:
• قانون السلامة الرقمية في المملكة المتحدة
• قانون أوليمبيا في المكسيك
• قوانين السلامة عبر الإنترنت في أستراليا
• قانون السلامة الرقمية الأوروبي
لكن تبقى الجهود مجزأة وغير قادرة حتى الآن على مواجهة الانتهاكات واسعة الانتشار.
أزمة مستمرة… ودعوة لإجراءات عاجلة
يرى التقرير أن مواجهة العنف ضد النساء — سواء كان جسديًا أو جنسيًا أو رقميًا — تتطلب:
• تمويلًا أكبر لبرامج الوقاية
• حماية قانونية شاملة
• تعزيز أنظمة العدالة
• تحميل منصات التكنولوجيا المسؤولية
• تحسين آليات جمع البيانات
• دعمًا نفسيًا واجتماعيًا فعّالًا للناجيات
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن تجاهل هذه الأزمة يعني ترك نصف سكان العالم تحت تهديد دائم، فيما تواصل ملايين النساء والفتيات دفع ثمن صمت المجتمعات ونقص التشريعات.
خلاصة التحقيق
على الرغم من حملات التوعية والبيانات الصادمة، إلا أن أرقام العنف ضد النساء لم تتراجع منذ 20 عامًا.
بل إن العالم الرقمي فتح بابًا جديدًا للعنف، أكثر تعقيدًا وتخفيًا وانتشارًا.
في ظل غياب حماية قانونية كافية، وعدم استعداد الحكومات للتعامل مع العنف المدفوع بالذكاء الاصطناعي، يبدو الطريق طويلًا نحو عالم أكثر أمانًا للنساء — لكن الضغط مستمر، والوعي يتوسع، والتغيير ممكن.
مجلة صوتها تصدر عن منتدى الاعلاميات العراقيات