بغداد في العصر العباسي لم تكن مجرد مدينتين على ضفتي دجلة، بل مدينة عميقة التخطيط، حيث تربط الأنهار والجسور بين الأسواق والمناطق السكنية والدواوين. من أبرز معالم هذا التخطيط الحضري تخصيص جسر خاص للنساء، كما يروي الخطيب البغدادي عن أمر الخليفة أبو جعفر المنصور بعقد ثلاثة جسور، أحدها للنساء، قبل أن تُبنى جسور أخرى بحسب الحاجة وحركة السير.

لم تكن هذه الجسور مجرد ممرات حجرية، بل تنوعت بين قناطر مقوسة على مجاري الأنهار، وجسور عائمة يمكن نقلها وإعادة وضعها بحسب مواسم التجارة والسياسة. عند كل سوق أو نقطة حيوية، كان هناك جسر يربط الناس والدواب والبضائع بين ضفتي المدينة، ما جعل الحركة اليومية أكثر انتظامًا وسلاسة.
ويشير تخصيص جسر للنساء إلى سياسة متقدمة لإدارة الحشود وضبط المسالك في مدينة مكتظة بالسكان. فقد جمع العباسيون بين التخطيط العمراني والنمط الاجتماعي، مقدمين مثالًا مبكرًا على ما يُعرف اليوم بمفهوم “التنقّل الآمن” للفئات المختلفة داخل الفضاء العام.

تعكس هذه الجسور كيف كانت بغداد مدينة ماء قبل كل شيء، حيث كانت الأنهار والقنوات والجسور شبكة حياة تغذي الأحياء بالماء، وتربط الأسواق بالمساجد والمستشفيات، وتضمن تدفق الحياة اليومية بسلاسة. ومن منظور تاريخ العمران، تقدم هذه المعابر صورة حيّة عن مدينة جمعت بين الرخاء الاقتصادي، التنظيم المدني، والاعتبارات الاجتماعية.
مجلة صوتها تصدر عن منتدى الاعلاميات العراقيات