السلام ضد الحروب

سوسن الجزراوي

قد يبدو هذا العنوان للوهلة الاولى ، فضفاض او خيالي بشكل لا لبس فيه ! فوسط هذه الزوابع السياسية والحروب المتلاحقة والدمار وصوت القنابل وانهيارات المدن بالكامل ومئات الشهداء والقتلى ونزيف الدم المستمر ، كيف يمكن لنا حتى ان نفكر ان السلام يمكنه ان يكون ضد الحروب ؟

ولكن دعونا قبل ذلك ، نتفق على ماهية السلام ! ولعلّ أكثر النظريات الغربية شيوعًا هي أنه غياب الخلاف أو العنف أو الحرب بكل اشكالها ، وهو معنى موجود في العهد الجديد ، وربما يكون المعنى الأصلي للكلمة اليونانية ( آيرين ) والتي تعني السلام .

وقد تبنى دعاة ( السلام ) هذا التفسير، لأنهم يعتبرون ان كل عنف أمرًا سيئًا ، وهذه حقيقة يتفق عليها اغلب الدعاة لنبذ الشر .

يقول الديلاي لاما : السلام لايعني غياب الصراعات ، فالاختلاف سيستمر دائما في الوجود .. السلام يعني ان نحل هذه الاختلافات بوسائل سلمية ، عن طريق الحوار ، التعليم ، المعرفة ، والطرق الانسانية .

مايمكننا ان نستشفه من هذه العبارات ، هي ان الصراع شئ والحروب شئ آخر ! فالاولى هي مناوشات فكرية وكلامية ربما وبعضها اقتصادية او عقائدية او لربما سياسية بل وحتى ثقافية او علمية ، وحتى يصل الجميع الى اتفاق معين حول النتائج ، كان لابد من حضور العقل وسطوته على المشهد ، لانه بما يمتلكه من حكمة ، سيكون قادراً على فظ الصراع دون الحاجة الى اللجوء للاسلحة اي كان وزنها ونوعها ، لانها ستكون الكارثة التي سيعتاش عليها تجارها وصناعها !

فمنذ الحرب العالمية الاولى عام 1914 وحتى هذه اللحظة ، امتلأت اجندات الشر بمئات الحروب وملايين الشهداء ، مابين الاهلية منها وحروب الدول الصغيرة وضراوة الاقتتال الطائفي وشراسة البطش الاقتصادي ، ظلت ماكنات الصناعات الحربية تدور بلا هوادة ، فمابين الحرب الاهلية الروسية عام 1917 وحرب ايرلندا للاستقلال عام 1919 والحرب اليونانية التركية ايضا عام 1919 وتفكك الامبراطوريات وصولا الى الحرب العالمية الثانية الذي تباينت احصائيات القتلى والشهداء فيها بين 60 مليون شخص وصولا الى اعداد لم يقوى التاريخ على تسجيلها ، ولتستمر الرحى دون هوادة وهي تحصد وتحصد وتحصد ، ولكن ! الى متى ؟ كم ستبقى هذه المطاحن تسحق الارواح ؟ وكم سيبقى الناس متفرجون ؟ وكم ستبقى الارض تروى من الدماء ؟؟

اسئلة تبدأ ولاتنته ، ولربما يمكن لجواب واحد فقط ان ينهيها ! نعم ، انه السلام ،، السلام غير المشروط ، السلام الذي يجب ان نعمل جميعاً على اعادة الروح فيه ، فهو الطريق الاوحد للانسانية ، والطريق الاكثر اشراقاً واكثر تحضراً .

والحرب ماكنة خرساء لكنها تولد صخب عارم مدوّي في اغلب الاحيان ، اذ لايمكن ان تعمل الا بدماء الابرياء ، هذه التي تروي عطش القتلة ومجرمي الحروب ، فهذه الالاف من الجثث يعتبرها بعض الاشرار ، المؤشر الاهم لنجاح الحرب ، اذ كلما ازدادت اعداد الارواح التي تزهق ، يعني قوة وجبروت وانتصار القاتل !

ومن اجل تحقيق ثقافة السلام المناهضة للحروب ، يجب ان يفهم مواطنو العالم المشكلات العالمية ، ويسعون لتنمية المهارات اللازمة لحل النزاعات والسعي باخلاص من أجل العدالة بطرق سلمية ، ويلتزمون بالقوانين وبالمعايير الدولية لحقوق الإنسان ، ويُقدّرون التنوع الثقافي ويحترمون العقائد مهما تنوعت وتكون الأرض محط تقدير وانتماء للجميع .

والسلام هو حق اساسي من حقوق الإنسان كونه السبيل الامثل للعيش المشترك ، بما يُمكّن جميع أفراد المجتمع من التمتع بالإمتيازات الانسانية وهو بلا شك عنصرٌ أساسيٌّ لإعمال جميع حقوق الإنسان ، فكلما عزّز المجتمع حقوقَ شعبه وحماها وأوفى بها ، زادت فرصه في كبح جماح العنف والشر والقتال والحروب ، وحل كل انواع النزاعات بطرق سلمية .

ولا يمكن الوصول الى هذه الامنيات ، الا من خلال التعليم المنهجي من أجل السلام الحقيقي ، لا المكتوب على مدونات المؤتمرات والندوات حسب .

شاهد أيضاً

( ​بين المصطلح القانوني والوصم الاجتماعي: نحو تصحيح المفاهيم حول “الناشز” و المطلقة)

مقال المحامية زهراء حسن​في الآونة الأخيرة، انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي نبرة غريبة، تحاول تصوير …

error: Content is protected !!