لم تعد قصص قتل الفتيات والنساء تحت ذريعة “غسل العار” تقتصر على الأطراف النائية أو المناطق الريفية في العراق، بل امتدت إلى المدن الكبيرة، وسط صمت رسمي وتبريرات عشائرية وقانونية تجعل من هذه الجرائم شبه “مباحة”.

في مطلع الشهر الحالي، هزّت محافظة ذي قار جريمة مروعة حين أقدم شاب على قتل شقيقته البالغة من العمر 17 عامًا بعد أن شاهد محادثات هاتفية بينها وبين أحد زملائها. الشرطة أعلنت القبض على الجاني، لكن مصير القضية ما يزال مجهولاً، وسط توقعات بأن تُحوَّل تهمته من “القتل العمد” إلى “غسل العار”، ما يعني حكمًا مخففًا قد لا يتجاوز ثلاث سنوات.
“جريمة بلا رادع”
تؤكد ناشطات في مجال حقوق المرأة أن ما يجري اليوم هو “تشجيع مقنّن” لجرائم قتل النساء. فالقانون العراقي، وبالتحديد المادة 409 من قانون العقوبات، يمنح القاتل عذرًا مخففًا إذا ارتكب جريمته بداعي الشرف، وكأن حياة المرأة أقل قيمة.

وتضيف بعض الأصوات الحقوقية أن “الأخطر من ذلك أن المجتمع لا يكتفي بالتسامح مع الجاني، بل يبرر فعله باعتباره دفاعًا عن سمعة العائلة، مما يجعل الظاهرة في تزايد لا في تراجع”.
شهادات من الداخل
في إحدى ضواحي بغداد، تروي (س. ح) قصة جارتها التي قُتلت العام الماضي على يد أخيها، بعدما انتشرت شائعة عن علاقتها العاطفية. تقول: “لم يكن هناك دليل، فقط كلام الناس. وبعد أسبوع واحد اختفت، ثم قيل إنها شنقت نفسها. لكن الجميع يعرف أنها قُتلت، وتم تسجيل الحادثة كـ’انتحار’”.
وتتابع: “القانون والعشيرة كلاهما وقف مع القاتل، ولم يطالب أحد بمحاكمته”.

ثقافة راسخة
يرى باحثون اجتماعيون أن “غسل العار ليس مجرد فعل فردي، بل جزء من ثقافة متجذرة تعتبر جسد المرأة ملكًا للعائلة والمجتمع”.
ويضيفون: “غياب التربية السليمة، وترك الأبناء تحت ضغوط اقتصادية ونفسية، إضافة إلى التوترات الأسرية، كلها أسباب تجعل من أي خطأ أو حتى شبهة خطأ سببًا لارتكاب الجريمة”.
القانون في قفص الاتهام
ينص قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 على عقوبة لا تتجاوز ثلاث سنوات سجن لمن يقتل زوجته أو إحدى قريباته في حال ضبطها متلبسة بالزنا. في المقابل، لا يمنح القانون المرأة نفس “الحق”، فإذا قتلت زوجها وهو في حالة مماثلة تُحاكم بجريمة القتل العمد التي تصل عقوبتها إلى الإعدام.

ويشير خبراء قانونيون إلى أن هذا النص “يمثل تمييزًا صارخًا، ويتعارض مع الدستور العراقي الذي يشترط عدم مخالفة القوانين للشريعة الإسلامية، إذ أن القتل بدافع الشرف لم يُجز شرعًا بهذه الصيغة”.
ويضيفون: “في كثير من المحاكمات، نرى قضاة يبدّلون وصف الجريمة من القتل العمد إلى غسل العار لإعطاء المتهم فرصة للإفلات من العقوبة المشددة. هذا بحد ذاته عامل مشجع على ارتكاب المزيد”.
جرائم بلا أرقام
بحسب منظمات حقوقية محلية، فإن عشرات الجرائم التي تقع سنويًا ضد النساء تُسجل في سجلات الشرطة على أنها “انتحار” أو “حادث عرضي”، مما يضيّع على الضحايا حقهن في العدالة، ويحجب عن الرأي العام الصورة الحقيقية لحجم الظاهرة.
تقرير سابق للأمم المتحدة أشار إلى أن تقديرات غير رسمية تتحدث عن “مئات الضحايا” كل عام، بينما تبقى الإحصاءات الدقيقة غائبة بسبب التواطؤ الأسري والخوف من الوصمة الاجتماعية.

محاولات إصلاح معلّقة
في عام 2020، صوّت مجلس الوزراء على مشروع قانون “الحماية من العنف الأسري”، لكن ضغوطًا سياسية واجتماعية عطّلت تمريره داخل البرلمان بحجة “مخالفته للعادات والتقاليد”. وحتى اليوم، ما زال المشروع مجمّدًا، بينما تتصاعد أرقام العنف والقتل ضد النساء.
ضحايا بلا صوت
تؤكد ناشطات نسويات أن “أغلب هذه الجرائم مبنية على الشك لا على الحقيقة. كثير من الفتيات يُقتلن لمجرد إشاعة أو محادثة هاتفية، دون أي إثبات. والأسوأ أن القاتل يجد من يصفق له بدلاً من أن يُعاقب”.
ويشرن إلى أن “الحل لا يكمن فقط في تعديل القانون، بل أيضًا في تغيير ثقافة المجتمع، وبناء علاقة ثقة بين الأهل وأبنائهم، بدل أن تتحول الأسرة إلى محكمة إعدام”.
خاتمة
في ظل غياب إحصاءات دقيقة، ووجود قوانين تخفف العقوبة، وثقافة عشائرية واجتماعية تبرر القتل، تبدو ظاهرة “غسل العار” مرشحة للاستمرار ككابوس يطارد الفتيات العراقيات. وبينما ينتظر الشارع إصلاحًا قانونيًا يردع الجناة، تستمر النساء في دفع الثمن الأرواح الضائعة والعدالة الغائبة.
مجلة صوتها تصدر عن منتدى الاعلاميات العراقيات