رشا مهند
كان يوم جمعة حار والشمس تغمر الشوارع حين رأيتها – فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها التاسعة يسير خلفها اخوها الصغير الذي ربما لم يتعد الرابعة. كانت تمسك بيدها صحن كبير تمشي بحذر وتركيز وكأنها تحمل كنزا لا يجوز ان ينكسر او ينسكب. خطواتها صغيرة لكنها سريعة وعيناها معلقة بالصحن حتى لا يهتز.
تخيلت انها خارجة من بيتها في طريقها الى بيت الجيران. ربما اعدت والدتها شيئا لذيذا تفوح منه رائحة البيت والحب وارادت ان تشارك به الاخرين. وفي تلك اللحظة وجدت نفسي اعود بذاكرتي الى طفولتي.
تذكرت كيف كنت انا واخى الصغير نسير بنفس الحرص ونحن نحمل صحنا من بيتنا الى بيت الجيران. كانت امي تطهو طعاما لا يملأ المعدة فقط بل يملأ القلب دفئا. ودائما كانت تقول “الخير لا يكتمل الا اذا شاركناه” فتجعل الاخرين يتذوقون طعم المحبة قبل طعم الطعام.
اتذكر مرة حملنا فيها صحنا الى جيران ليسوا عراقيين. لم يكن الصحن مجرد طعام بل كان قطعة من هويتنا رسالة من ثقافتنا. وكيف استقبلونا بابتسامة وفضول وقلوب مفتوحة وكأن ذلك الصحن مد جسرا بين عالمين مختلفين.
حين رأيت تلك الفتاة يوم الجمعة شعرت بالدفء ذاته. رأيت في خطواتها فرحا ممزوجا بالمسؤولية. وفكرت كيف ان جيلي وربما الاجيال بعده قد اسقطنا اطباقنا مرات كثيرة.
اليوم نملأ المقاعد في افخم المطاعم نأكل اطباقا بلا روح نتقاسم الفاتورة لكننا لا نتقاسم القلوب. نسينا كيف نملأ اطباق بيوتنا بطعام يطهى بالحب والامتنان طعام يحمل قصة وذكرى ولمسة من الروح.
الصحن الذي كانت تحمله تلك الفتاة لم يكن طعاما فقط بل كان رسالة صامتة: نحن بحاجة الى اطباق بعضنا البعض. لا لنأكل فقط بل لنتقارب لنتشارك الحياة والثقافة والحب.
ربما حان الوقت لنرفع اعيننا عن قوائم الطعام ونعود للطهي من جديد بحب ومن اجل بعضنا. لاننا في كل مرة نفعل ذلك لا نملأ صحنا فقط… بل نملأ المسافة بين قلوبنا.
مجلة صوتها تصدر عن منتدى الاعلاميات العراقيات