
د. مهند الخزرجي
منذ سقوط النظام السابق في عام 2003، دخل العراق مرحلة سياسية جديدة شكلت تحديات معقدة على صعيد بناء الدولة وتأسيس زعامات وطنية قادرة على توحيد الصفوف وتحقيق الاستقرار. فقد تحولت الزعامة، التي كان ينظر إليها تقليدياً بوصفها تجسيدا للقيادة والرمزية الوطنية، إلى مفهوم متشظٍ تتنازعه الولاءات الطائفية، والعرقية، والحزبية، بل وحتى المناطقية.
بعد سنوات من الحكم الفردي القائم على المركزية الشديدة، كان من الطبيعي أن يتطلع العراقيون إلى ولادة زعامات جديدة تعبر عنهم وتمثل تطلعاتهم في دولة ديمقراطية، عادلة، وذات سيادة. فغياب القائد الوطني الجامع بعد 2003 خلق فراغا قياديا كانت البلاد بحاجة ماسة لملئه، خصوصا في ظل التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية الهائلة التي رافقت المرحلة الانتقالية.
برزت الحاجة لزعامات قادرة على توحيد العراقيين تحت مظلة مشروع وطني جامع. تقليص النفوذ الخارجي عبر تقوية السيادة الوطنية. مواجهة الإرهاب والطائفية بمشروع عابر للهويات الفرعية. وتأسيس شرعية سياسية قائمة على الكفاءة والتمثيل الحقيقي لا على المحاصصة.
و رغم الحاجة الملحة، فإن الواقع أفرز نمطاً من “القيادات المجزأة”، حيث تشكلت الزعامات على أسس مكوناتية (شيعية، سنية، كردية)، مما أضعف إمكانية بروز زعامة جامعة. وأدى نظام المحاصصة إلى إنتاج زعامات تمثل أحزاباً أو كتلاً وليس شعبًا بأكمله. والنتيجة:
• زعامة شيعية متوزعة بين قوى دينية وسياسية كبرى (كالتيار الصدري، الدعوة، الحكمة، الفتح…)، تتنازع التأثير داخل المكون الشيعي نفسه، وتفتقر في الغالب لرؤية موحدة تجاه الدولة.
• زعامة سنية اتسمت بالضعف والانقسام، وتبدلت وجوهها مراراً من دون أن تنجح في تقديم مشروع سياسي جامع، نتيجة عوامل داخلية وضغوط إقليمية.
• زعامة كردية متأصلة تاريخياً لكنها شهدت انقسامًا داخلياً بين الحزبين (الديمقراطي والاتحاد)، ما انعكس على دورها الوطني.
هذا الواقع جعل العراق يعيش في “نظام زعامات متعددة”، تُعطل بعضها بعضاً أكثر مما تتكامل.
العوامل التي عمقت التشظي
لقد ساعدت المحاصصة الطائفية والإثنية من جعل الولاء للطائفة أو القومية أعلى من الولاء للوطن. مما أدى إلى غياب مشروع وطني جامع ولم تطرح القوى السياسية مشروعًا تتلاقى حوله مختلف المكوّنات. كما ان التدخلات الإقليمية والدولية أدت إلى دعم بعض الزعامات على حساب أخرى، مما ساهم في شرذمة القرار الوطني. يرافق ذلك ضعف المؤسسية الحزبية الذي بدوره أدى إلى زعامات “شخصانية” ترتبط بالأفراد أكثر مما ترتبط بالأفكار أو البرامج.
لقد ادى التشظي على الدولة والمجتمع إلى غياب الثقة بين المواطنين وممثليهم. هشاشة الدولة وفقدان قدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة. تصاعد الاحتجاجات الشعبية المطالبة بزعامات جديدة نزيهة وفاعلة. وفقدان الأمل بقيام مشروع وطني ينهض بالعراق من أزماته المتراكمة.
إن العراق اليوم بحاجة ماسة إلى زعامة لا تُختزل في الطائفة أو الحزب، بل تستند إلى شرعية الإنجاز والرؤية الشاملة. زعامة تطرح خطاباً وطنياً جامعاً، وتؤسس لعقد اجتماعي جديد، قائم على المواطنة لا المكون، والكفاءة لا المحاصصة، والسيادة لا التبعية، والعدالة لا الامتيازات.
لقد ظل المواطن العراقي يتطلع إلى قائد يوحد لا يفرق، يبني لا يهدم، يقود مشروعا وطنياً لا صفقة سياسية. ولعل مستقبل العراق مرهون اليوم أكثر من أي وقت مضى بقدرة نخبه ومجتمعه على إنتاج زعامة وطنية حقيقية تليق بتضحيات أبنائه وتحديات حاضره.
فهل تكون الانتخابات القادمة بوابة التغيير الحقيقي؟ لحظة فارقة تولد فيها زعامة وطنية تستوعب دروس الماضي، وتوظفها لبناء حاضر أفضل؟ إن مسؤولية الإصلاح تبدأ من صناديق الاقتراع، فاختياركم هو أول خطوة نحو المستقبل… فأحسنوا الاختيار.
مجلة صوتها تصدر عن منتدى الاعلاميات العراقيات