
د. مهند الخزرجي
يُعد المثقفون والنخب الفكرية في أي مجتمع ركيزة أساسية في توجيه الرأي العام، وبناء الوعي الجمعي، ودفع عجلة الإصلاح. وفي السياق العراقي، شهد البلد تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية معقدة منذ 2003، تزايدت معها الحاجة إلى دور فاعل للنخب والمثقفين في رسم مسارات التغيير والإصلاح. وقد أثبتت التجربة أن غياب هذا الدور أو تهميشه يؤدي إلى فراغ فكري وثقافي تستغله القوى الشعبوية والطائفية في تنفيذ أهدافها وغاياتها الفئوية والحزبية بعيدا عن مسار الإصلاح الوطني الحقيقي .
تشخيص الواقع والتأثير في الرأي العام
تشير دراسة صادرة عن مركز البيان للدراسات والتخطيط (2020) إلى أن “النخب العراقية لعبت دورًا حيويًا في توثيق وتحليل الفساد الإداري والمالي، خصوصًا في مراحل ما بعد الاحتلال الأميركي، من خلال الكتابات والمقالات والتحليلات التي فضحت شبكات المحاصصة السياسية والاقتصادية”.
كما قدمت مراكز فكرية عراقية، مساهمات بحثية مهمة في تشخيص الخلل المؤسسي، واقترحت سياسات بديلة في مجالات الاقتصاد، التعليم، والحكم الرشيد لكن مع وجود هذا الكم من المساهمات يثار التساؤل كم كان حجم الاستثمار الحكومي والرسمي لهذه المساهمات البحثية ؟
كما ان التجارب الإصلاحية التي شارك فيها المثقفون العراقيون خاصة ما يتعلق بالتشريعات كانت واضحة مثل مشروع قانون مجلس الخدمة الاتحادي الذي تم الضغط لتفعيله من قبل عدد من النخب الأكاديمية عبر الحملات الإعلامية والحوارات السياسية، وقد أُقرّ القانون لاحقًا عام 2019. اضافة إلى حملات الإصلاح في المناهج التعليمية حيث قادت مجموعة من الأكاديميين والباحثين مراجعات نقدية لمحتوى المناهج، واقترحوا إصلاحات تعزز الهوية الوطنية وتحارب خطاب الكراهية. من خلال مؤتمرات وندوات وملتقيات ناقشت قضايا الدولة المدنية، العدالة الانتقالية، والحكم الرشيد، وكان له دور في بناء أرضيات تفاهم بين أطراف متنازعة.
و تشير تجارب الحراك الشعبي، مثل احتجاجات تشرين 2019، إلى أن المثقفين والإعلاميين لعبوا دورًا كبيرًا في تعبئة الشارع ضد الفساد والطائفية. فقد شارك عدد كبير من أساتذة الجامعات والكتاب والصحفيين في توجيه الاحتجاجات نحو أهداف إصلاحية واضحة، أبرزها الدعوة إلى دولة مدنية، وإنهاء المحاصصة، ومكافحة الفساد.
بالرغم من ان إحصاءات المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق أكدت تعرض أكثر من 500 ناشط وأكاديمي تعرضوا للتهديد أو الاغتيال أو الاعتقال خلال عامي 2019-2021، ما يشير إلى حجم التهديد الذي تواجهه النخبة المثقفة حين تقوم بدورها الإصلاحي.
التحديات البنيوية التي تواجه النخب!
على الرغم من وضوح الدور المفترض للمثقفين، إلا أن ثمة تحديات تحدّ من تأثيرهم، أبرزها الاستقطاب السياسي حيث تُستقطب بعض النخب من قبل أحزاب السلطة، مما يفقدها الاستقلالية ويجعلها جزءًا من منظومة الحكم بدلًا من أن تكون ناقدة لها. كذلك تقييد الحريات الأكاديمية والإعلامية فقد اشارت تقارير لمنظمة مراسلون بلا حدود بان العراق ضمن الدول التي تعاني من قيود على حرية التعبير، مما يعيق عمل المثقفين المستقلين والبعض منهم يتجنب الدخول في نقاشات عامة قد تؤثر على عملهم ومستقبلهم المهني . يرافق ذلك الضعف المؤسسي والعلمي لبعض الجامعات ومراكز الأبحاث خاصة مع ارتفاع ظاهرة الحصول على الشهادات العليا من جامعات اجنبية غير رصينة .
كيف يمكن تطوير دور المثقفين والنخب العراقية في عملية الإصلاح ؟
أولًا: ضمان الحماية القانونية وحرية التعبير
لا يمكن للمثقف أن يؤدي دوره في بيئة تقيد من حريته. لذا، فإن تعزيز الحريات الأكاديمية والإعلامية، وسن قوانين تحمي المفكرين والناشطين من التهديد والملاحقة، هو خطوة أساسية.
ثانيًا: تمكين المؤسسات الثقافية والأكاديمية
تطوير دور المثقفين لا يتم دون دعم الجامعات ومراكز البحث والدراسات الإستراتيجية. يمكن تحقيق ذلك من خلال زيادة التمويل الحكومي المخصص للبحث العلمي. وإعطاء استقلالية أكبر للمؤسسات الأكاديمية. إضافة إلى إنشاء شراكات بين الجامعات ومؤسسات الدولة لتقديم استشارات فكرية وسياساتية.
ثالثًا: تنظيم النخب ضمن شبكات ضغط مدني
غالبًا ما تكون جهود المثقفين فردية، مما يقلل من تأثيرها. الحل يكمن في تنظيم النخب ضمن أطر جماعية فاعلة مثل منتديات فكرية واتحادات مهنية مستقلة. وجماعات ضغط تعمل على التأثير في السياسات العامة من داخل العملية السياسية. وقد نجحت مثل هذه التجارب في دول مثل تونس، حيث لعب الاتحاد العام للشغل ورابطة حقوق الإنسان دورًا كبيرًا في حماية مسار التحول الديمقراطي.
رابعًا: إعادة بناء الثقة مع المجتمع
كثير من المثقفين في العراق باتوا يُنظر إليهم بعين الريبة أو النخبوية المنعزلة. ولتجاوز ذلك، لابد من النزول إلى الميدان والتواصل المباشر مع الناس. مع استخدام اللغة المفهومة للجمهور في الخطاب الثقافي. وتبني قضايا الناس اليومية والدفاع عنها، مثل العدالة الاجتماعية، الخدمات، والتعليم.
خامسًا: استخدام الإعلام الرقمي كأداة تغيير
أظهرت التجربة أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أداة قوية في تشكيل الوعي. لذا، يجب على النخب الاستثمار في المحتوى الرقمي التوعوي من خلال إنتاج برامج وحلقات حوارية توصل الأفكار الإصلاحية لجمهور أوسع. إضافة إلى تدريب الشباب على التفكير النقدي واستخدام الإعلام كوسيلة للمساءلة.
سادسًا: إدماج الشباب والنخب الجديدة
من الضروري إشراك الجيل الجديد من المثقفين والناشطين، ويمكن تحقيق ذلك عبر احتضان مبادرات شبابية فكرية. وإشراكهم في المنتديات والمؤتمرات. وتوفير منح وفرص بحثية داخل وخارج العراق.
سابعًا: المساهمة في صياغة السياسات العامة
النخب ليست فقط للنقد، بل يجب أن تُمنح دورًا في صياغة الحلول. من خلال تأسيس “مجالس استشارية فكرية” لدى مجلس الوزراء ومجلس النواب والهيئات المستقلة. وإشراك الأكاديميين في لجان صياغة القوانين والسياسات وتحويل الأفكار إلى أوراق سياسات قابلة للتطبيق.
ختاما.. إن تطوير دور النخب والمثقفين العراقيين في الإصلاح يتطلب إصلاحًا مزدوجًا: إصلاح البيئة التي يعملون فيها من جهة، وإصلاح أدواتهم وأساليبهم في التأثير من جهة أخرى. فالمثقف ليس مجرد ناقد، بل فاعل وشريك في بناء الدولة، شريطة أن يمتلك المنصة، والحماية، والنية الحقيقية للتغيير.